بريق سلوي فاضل

الفصل الأول
صوت محرك سيارة الأجرة البيضاء شقَّ غسق الليل وهدوئه، وقفت السَّيارة أمام بناية بسيطة، ترجلت منها شابة بمنتصف عقدها الثالث، تَتَرَنَّح بثوبها الكَاشِف والعَـاري رغم طوله، يُظهر كافة تفاصيل جَسَـدها بطريقة مُغْوِية، دخلت البناية بخطًى مُتَعَثِّرة، صعدت بضع أدوار يتبعها السَّائق بصمتٍ، وقفت أمام أحد الأبواب تطرقه بتوتر وحذر، ولمَّا طال وقفوفها صحب طرقها عبارات النَّدم والترجي، تتعالى دقاتها مع كل ثانية.

فُتح الباب المقابل وظهر من خلفه شاب بدا بأواخر العقد الثالث أو بداية الرابع:
– مين؟
التفَّت إليه وتلاقت الأعين لثوانٍ بصمتٍ قَـاتِـل، ثم أضاء المصباح الخارجي يدقق النَّظر بها، وجهها يعج بمساحيق التَّجميل، سالت زينته إثر بكائها الصَّامت، جال بعينيه يطالع هيئتها، صُدِم من ملابسها الفًـاضِ.ـحة؛ فأخفضت وجهها خِزْيًا وعادت تطرق الباب بجنون:
– ماما أرجوكِ افتحي، أنا عرفت غلطي والله! ماما افتحي عشان خاطري، ما تسبنيش كده، يا ماما…
– مش هتفتح يا سرمد.

كأنها لم تسمعه واستمرت تدق وتترجى، تحول بكــائها لنَحِيـب، دخل الشَّاب دون غلق الباب، ثم عاد حاملًا عباءة نسائية سوداء مفتوحة من الأمام، وضعها على كتفها يخفي جسدها:
– مش هترد لأنها توفــيت يا سرمد، مـاتِـت، تعالي معايا.
تهدجت أنفاسها بنحيب وانحت للأمام، تحمل أثقالًا على عاتقيها وبصَدْرِها، طالعته بندم، وضع ذراعيه على كتفيها يحكم تغطية جسدها ويوجهها لبيته؛ فتحدث السَّائق الشَّاب ذو اللحية الخفيفة و.وشم الصَّلاة المحفورة بمنتصف جبهته:
– رايح بها فين يا أستاذ؟!
– بنت عمي ووالدي جوه تفضل معانا.

قرب الباب وبعد عدة خطوات منه يوجد منضدة يلتف حولها عدة كراسي، سحب لها أول مقعد جانبه؛ حين شعر بثقل جَسَ.دَها وخطواتها، جلست بوهَن تخفض رأسها خزيًا، ندمت حين لا ينفع النَّدم، تتساقط دموعها زخات، رمقها بلوم وبعض التعاطف، ثم اتجه للغرفة ليحضر المال للسائق؛ خرج والده مُتكئًا على عصاه، تبادل نظرات ذات معنًى معه قبل أن يوجه بصره إليها بضجر، ثبت محله منتظرًا انصراف السَّائق، ومع غلق الباب خرجت كلماته حادة نافرة وغير مرحبة:
– راجعة ليه؟ لِكِ مين هنا؟ مش خجلانة من نفسكِ!

أجابته شهقاتها نيابة عنها، وارتج جسدها بنَـحيب حار، تلقت للتو خبر وفـ.ـاة والدتها لم تحضر عزائها، لم تودعها للمرة الأخيرة، فارقتها غاضبة كما فعل والدها، فتحدث ابنه فايز برجاء وبنبرة متمنية راجية تناشده الحِلم بها:
– خلينا نرتاح شوية، والصبح نتكلم يا حاج.
– وهي هتقدر تقعد في مكان بيئة وناس رجعية تفكيرها متخلف! شددت مِنْ غلق مُق…..لتيها تتذكر كلماتها السَّابقة، تعجز عن الدِّفاع عن ذاتها أو سرد الأعذار، والها عمها ظهره عائدًا لغرفته، اقترب فايز منها يطالعها بإشفاق، فحالتها شديدة البؤس:
– تعالي أفتح لك الشقة والصبح نتكلم، الشقة بتتنضف كل أول شهر.

نهضت بتَعسُّر شديد، كاد أن يساعدها إلا أنَّها أشارت بيدها تمنعه بوهـــنٍ، سارت خلفه بخُطًى مثقلة، فتح لها منزل والديها ثم تراجع للخلف منسحبًا وأغلق الباب عقب دلوفها بهدوء، خطت للداخل؛ فهــاجمــتها الذكريات تتجسد لها نصب عينيها، تراها بمنظور آخر يختلف كل الاختلاف عن ذي قبل، تجوب بنظراتها هنا وهناك، تسمع صوت والديها وحديثهما معها جده وهزله، ضحكاتهما، صيحات ثَــوْرتَهِما وخوفهما عليها، خطت بانــهزام صوب غرفتها القديمة، فتحت بابها بهدوءٍ، تمسح أرجائها بحنين لعمرٍ ولَّى، وبراءة سُلِبَت منها أو سعت هي لتتجرد منها.

وقفت أمام مرآتها تطالع نفسها بحسرة، تتساقط عبرات النَّدم، تغسل وجهها من زيف اكتسبته من حياتها الجديدة، أغلقت جفونها تنفض عنهم صورتها الحالية؛ فهاجمتها هيئتها السَّابقة وسحرها ببريق الشُّهرة وبداية سقوطها في بئر رغَـــباتها، وتسليم نفسها لشَيْــطان هواها، رأت انعكاس صورتها بالماضي القريب، كما لو كان شريط سينمائي بكل تفاصيل وأحداث الماضي.

كانت بنفس موضعها بثياب بيتية بسيطة، تمرر راحتها على جسدها تتأمل وتدقق تفاصيله ومنحنياته، فلم تشعر بدخول والدتها، وانتـــفضت مع صدوح كلماتها:
– هتجنني والله!
– يا ماما، خضتيني، مش هقول خبطي وخصوصية، لكن كده هموت من الخضة.
– أهو أحسن من الجنان.
عادت بنظرها للمرآة تضع راحتيها وتمررهم على بعض أجزاء جسدها، تحدد المواضع التي تتحدث عنها:
– بصي يا ماما، ركزي معايا، لو شفطت الدهون من هنا، ونفخت سيليكون هنا، وكمان لو أعمل نحت للوجه، والله هبقى أحلى من ملكات الجمال بكتير!

– ربنا يهديكِ يا بنتي، ما حرمتيش من المرة اللي فاتت، ما أنتِ جميلة وزي القمر، نفخ وشد ونحت إيه بس! استغفر الله، يا بنتي أبوكِ حالف لو ما بطلتيش هيلجأ لطريقة مش هتعجبك، بعد ما خلص معَكِ الكلام وكل طرق الاقناع، اللي أنتِ بتقوليه اعتراض على صنع الله وخلقه، يعني تأثمي على تفكيرك وكلامك ده.

تأففت بوضوح تجيبها:
– يا ماما ده علم، وبكلمك عن عمليات ودراسات، مش دجل عشان تقولي إنه إثم، بدون زعل اللي بتقوليه اسمه جهل.
– كده يا سرمد! شكرًا، لسانك ما يخاطبش لساني، ومش هقول حاجة لأبوكِ.
– يووووه.
غادرت الغرفة بقلب مُهَــشَّم، تدعو الله بهداية ابنتها قبل فوات الأوان، أكلمت سرمد تفحص ثغرات جسدها، تشعر ببعض النَّدم لما تفوهت به، يخزها ضميرها ويلومها.

وقفت بالمطبخ تعد الطعام وعقلها شارد بحال ابنتها، ما كانت تراه بالسَّابق مُراهقة وفترة تمر بها كل فتاةٍ، أصبح يُخيفها ويؤرق مضجعها، فسرمد باتت مهووسة بجمالها ورشاقتها، بل إظهار مفـــاتـنها بشغفٍ يُرعبها، رجفة خفيفة تملكتها وقطعت حبل أفكارها حين ضمتها سرمد من الخلف، وتحدثت باعتذار:
– آسفة، مش قصدي أزعلك، أقصد أنه عادي يا ماما، الفنانين والمشاهير حتَّى السياسيين يعملوا عمليات تجميل، ده غير إنه مُجرد حلم، بابا عمره ما يوافق، ولو وافق فين الفلوس! العمليات دي غالية ولازم دكتور شاطر ومتخصص.

– يا بنتي أنا خايفة عليكِ، الموضوع زاد قوي عن حده، الأول كنتِ صغيرة، لكن كبرتي أهو وتفكيرك زي ما هو، واللي بتقوليه اعتراض على خلق الله، التَّجميل ده للحوادث التَّشـــوهات، مش عشان نخلي شكلنا على هوانا، أما مين؟ عمل إيه؟ مالناش دخل؛ كل واحد يحاسب عن أفعاله وبس.
– ممكن نوقف كلام عن التَّجميل وما تزعليش، لو سمحتي!

انقضت بضع أيام رتيبة دون جديد، حتَّى ذلك اليوم الذي حضرت فيه صديقتها المقربة “ندى” ترقص طربًا، تزف إليها خبرًا كان بداية لتغيير مجرى حياتها، دخلت معها غرفتها وانتظرت مغادرة الأم الَّتي اغدقتها بكلمات التَّرحيب، ثم تحدثت بسعادةِ وصوت خافت:
– مفاجأة يا سوسو، مش هتصدقي نفسك!
– قولي طيب بسرعة.
– الجريدة اللي بتدرب فيها رشحتني لتغطية حفلة خاصة لفتى أحلامك الفنان حليم، والمفاجأة مسموح لي بحضور مرافق معايا، اللي هو أنتِ أكيد.
قفزت سرمد من السَّعادة تسألها عن تفاصيل الحفل والموعد، بل وتختار أي فستان سترتدي، وبالطبع لم يعجبها أي مما تمتلك؛

تراهم جميعًا غير ملائمين، وبعد تخطيط وترتيب معظم التَّفاصيل، ذكَّرها عقلها بوالديها؛ فبالتأكيد رأيهما سيتناقض مع رغْبَــتها، جلست محلها وزفرت بضَــجر واهِـن، حدثتها صديقتها بعد أن أخبرتها عن تخوفها من قرار والديها:
– سرمد دي فرصتك، أنا هقول لماما ومع شوية محايلة هتوافق، أنتِ ظبطي أمورك مع طنط وعمو، لكن خلِّي بالك فرصة حضور حفلة زي دي وبالأهمية دي مش تتكرر كتير، أنا ماشية ومنتظرة ردك.
رافقتها الحيرة؛

فبين رغبة مَـاجِـنَة مُشْـتَعلة لإرضاء النَّفس والحضور، وصوت من الأعماق يطالبها بالعزوف عنه والعدول، طرأت لها فكرة ترضي رغْبَــتها، ستذهب خِلسة، لن تخبر والديها ولن يشعرا بخروجها من الأساس، ستلتزم غرفتها من اليوم، ستخبرهما بمبرر مقبول، وتستمر على ذات المنوال ليعتادا غيابها، وبعد أن تحضر الحفل ستعود لطبيعتها، وتتنفس الحرية بعيدًا عن جدران غرفتها، أطاعها العقل مستسلمًا، وعارضها الضَّمير ينْـذِر بالخطر يَخِزُها؛ فتبرز لها النَّفس أسباب عدة للحضور وتزينها؛ تجعلها بزهو النُّجوم، تميل لكل كافة تارة، لكن بالنِّهاية استسلمت لهوى النَّفس خاضِــعة.

الفصل الثاني
سارت خطتها على أحسن نحو، أصبحت بقلب الحفل، مسْحُـــورة، منتظرة انتهاء صديقتها من عملها بأخذ الأحاديث الصَّحفية وتدوينها، لم تترك أي من المشاهير إلا والتقطت معه الكثير من الصِّور، ومن شدة ابتهاجها غفلت عن نظراتهم السَّاخرة منها والمنزعجة، بينما تابعتها الكثير من الأعين الطَّامعة، فلم يخف عن أمثالهم نظراتها المُتَطلعة لزهو الأضواء وبريق الشُّهرة.

تابعته بعينها، أينما صار ذهبت مقلتيها خلفه، يهفو قلبها لسماع صوته؛ فهيأته جذابة، وطلته أخاذة وحضوره طاغي كظهوره بالشاشة، بل أكثر، طالما رغبت برؤية حليم بالحقيقة، وكم تخيلت نفسها بطلة أعماله السينمائية، قبل الحفل جلَّ ما حلمت به هو التقاط صورة معه، والآن تريده هو، قبل حضورها ظنَّت أنَّه أول مَن ستحادثه، لكن ما أن رأته شعرت بأن هناك حاجز بينهما، وأياد خفية تمنع قربهما.
جلست تراقبه عن بُعد، عينها مثبتة عليه وعقلها شارد به، انتبهت على زفير صديقتها الغَــــاضِب؛ فحولت بصرها إليها متسائلة:
– مالك؟ في حاجة معطلة شغلك؟ تحبي أساعدك؟

– لأ، تعالى نمشي، أنا مش هكمل الحوارات، وأنا أصلًا غلطانة إني جيت، ماما كان عندها حق، يلا.
– استني بس، أنا لمَّا صدقت جيت، استحملت أسبوع كامل حبس انفرادي في أوضتي عشان أوصل لهنا، وأنتِ اللي اقنعتيني، فهميني في أيه؟ وما تضيعيش الفرصة منِّي.
– كنت غلطانة والله! بصي، أنا جيت مع مديري، على أساس يقدمني لهم وأخلص المطلوب، لكن كلامه معَهم مش مريح ومتغطي، تحسي له معاني كتير غير المعنى الصَّريح، وكذا حد حاول يقرب مني بطريقة مستفزة، ولمَّا أبين غضبي وعدم رغبتي يبص لي باستهزاء ويمشي.

– يا بنتي، النَّاس دي يوم ما تعاكس مش هيكون إحنا، من شايفة السِّتات حواليهم عاملة إزاي! دا أنا مكسوفة من نفسي، والله!
– مش مصدقاني! أنا ماشية خلاص وأنتِ معايا، مش هنتظر لما يحصل موقف ما نعرفش نتصرف فيه.
– أنا مش متحركة من هنا، اصبري حفلة وتعدي، بصي، بصي حليم عامل إزاي! وسيم، شيك، طول وعرض، هموت والله! نفسي أقرب منه ومش قادرة؛ رجلي مش مطاوعاني.

زفرت ندى بحنق من صديقتها التي أصبحت كطفل داخل متجر الألعاب، لا تريد مغادرة المكان دون أخذ دميتها المفضلة، حاولت ندى إقناعها بكل الطُّرق دون جدوى، وبالنِّهاية تحدثت سرمد بجدية غير معروفة عنها تنهي ذلك النِّقاش العَقِيـــم الذي ذكرها باحاديثها مع والدتها:
– ندى، أنسي إني امشي من غير ما أحاول أتكلم معه، والفت انتباهه ليَّا، دي فرصة ما تتعوضش زي ما قولتي قبل، وأنا مش لعبة في أيدك عشان أمشي وراكِ وخلاص.
رأت إصرارها ب…..مق….لتيها، وايقنت تصميمها على البقاء؛ فشعرت بالأسف عليها والاسْــــتياء لتمسكها بالخطأ، فوالتها ظهرها مغادرة الحفل.

كادت سرمد أن تتبعها، لولا صدوح صوت مِن خلفها جعل قلبها يرجف بين أضلعه؛ فتَيِبْــس جَسَــدَها لوهلة مغمضة جفونها تتلذذ بتغريد كلماته، تتأكد مما سعت:
– حضرتك صحفية، صح؟!
التفت إليه بهدوء مرتعش، طالعته بأعين متسعة وقلب يقفز وأفكار تدندن داخل عقلها، استمرت على صمتها؛ فتحدث ببسمة بدت لها محرجة:
– لو مضايقك فأنا آسف، همشي حالًا.
– لأ.
تحدثت بلهفة واضحة أحرجتها؛ فواصل حديثه ولا زال محتفظ ببسمته البشوشة، مد يده يعرفها بنفسه:
– أنا حليم صادق، مطرب وممثل.
مدت يدها غير مصدقة، وارتسم على وجهها الدَّهشة متسائلة، أيعرفها بنفسه؟!

– حضرتك غني عن التَّعريف أكيد، أنا سرمد عبد الله، مش صحفية جيت مع صديقتي بس سابتني ومشيت.
– اللي كانت معاكِ، شكلها مشيت زعلانة من حاجة، أكيد مش منك، أعتقد البراءة دي صعب تزعل حد.
تنظر إليه بدهشة وأعين جاحظة تحدث نفسها وكأنَّها بعالم أخر (أكيد بحلم، مش معقول الحلم يتحقق بسهولة! ولا أنا بحلم؟! هو وسيم قوي كده ليه! قلبي هيقف من كتر الفرحة، يا رب الوقت يطول واللَّيل يفضل باقي العمر) طال صمتها وأعينها مسلطة عليه لا تحيد؛ فاتسعت بسمته مسترسلًا:

– اسمك غريب مناسب مع الحجاب، على فكرة وجهك فوتو ﭽونيك جدًا، أنا عايزك تظهري في الكليب الجديد اللي بصوره حاليًا، تقبلي؟!
– أنا!!!
– أكيد.
– لكن بابا… وماما! موافقة.
– ده الكارت بتاعي، هسجل على ضهره رقمي الخاص، كلميني عليه، أنا واثق أنك مش هتديه لحد، ولا حتى صاحبتك اللي مشيت زعلانة، صح؟!
عجزت عن الكلام ورقص قلبها فرحًا؛

فـأومأت عدة مرات تؤكد ظنِّه، تركها ومضى، وقف مع معارفه يستمتع بوقته، ظلَّت عينها تتابعه بشغف، تتمنى أن يقف معها من جديد، ولا تجد الجرأة داخلها لتقترب منه، ترى التفاف بعض مَن حوله تجاهها، بسماتهم تحمل معانٍ عدة سخرية، اشْمِئـــزاز، طمع وشَهْــوة، بينما بدا هو لها مُعجب، تتمنى أن يرتقي لدرجة محب ولهان، تسرب الوقت دون أن تشعر، فقدت الأمل أن يتحدث معها من جديد، كادت أن تغادر لولا مُدَاعَبة صوته لأذنها يستوقفها؛ فالتصقت قدمها بالأرض واسدلت الدهشة ستائرها، ومع نطقه باسمها التفت بهدوءٍ حذر تتأكد من كونه حقيقة ولا يهيأ لها:
– سرمد، ماشية ليه؟ لسه بدري قوي!

– أنا تأخرت قوي.
– لسه بدري على نهاية الحفلة، تعالي الرَّقصة الجاية سلو كابلز يعني، خليكِ معايا.
– مش بعرف، ومش هـ…
لم يستمع لكلماتها، جذبها خلفه بخفة متجهًا بها إلى ساحة الرَّقص، ولمَّا رأى توترها مال على أذنها ببسمة بشوشة:
– مفيش تصوير، لا صحافة ولا تليفزيون، كلهم مشيوا مِن بدري.
ابتسمت براحة وتركت لجَسَدِها حرية الحركة، وهو يجذبها يمينًا ويسارًا يحدد حركاتها، وهي تسبح بعالمه، مبتهجة برفقته، تتوهج سعادتها وتتلألأ بحضرته، ثوان وصدح صوت موسيقى شرقية مغــــــوية للرقص، ابتعد الأغلبية عن السَّاحة، وتوسطها القليلات تحاولن تقليد الرَّاقصات، وقفت جانبه تتابعهم بسخرية؛

لو أطلقت لنفسها العنان لاكتسحتهن جميعًا، ولكن تعلم محظورية هذا الفعل، يخبرها والدها بجرمه دومًا.
وسط حديثها الدَّاخلي وخضم معركتها مع النَّفس، الَّتي تدفعها لكَــسْــر جميع القُيُـــود والسَّماح بفعل المَمْنُــوعات، مال على أذنها يخبرها بمدى ولعه بالرَّقص الشَّرقي، وبثها بعض الكلمات التي أطاحت بكل ما تربت عليه ونشأت؛ اندفعت إلى قلب ساحة الرَّقص، بدأت تتمايل وتتهادى بخجل تحول إلى حرفية مع نظرات إعجابه وتشجيعه، خلت السَّاحة إلا منها، الجميع يشاهد بشغف مخلوط بمشاعر أخرى، وهي لا ترى سوى إعجابه وترحيبه بفعلها، ثم انضم لها يحتوي جَسَـــدها بين ذراعيه، ترنو إليه تميل إلى صَــــدْرِه ثم تبتعد، كررت حركتها تلك؛

فجُنَّ عقله وذهب، جذبها مِن وسط الحضور ووقف بها بعيدًا، تبادلا النَّظرات وسط انفاسهما اللاهِثة والمتسابقة من الرَّقص ثم الركض، تحدث من بين أنفاسه:
– أوعي ترقصي أو تتمايلي كده تاني.
تحدثت النَّظرات وصمتت الألسنة، تطالعه بشغف، رجاء، عدم تصديق وتمني، ليته لم يهم! فطريقته أشعلت نيران رغْـــــبتها في قربها منه، واقْـتِـــــحام دنياه، كان نجمًا عاليًا بسماء الشُّهرة، وها هو الآن سقط شهابًا أمامها على الأرض، فكيف ستتركه الآن وترحل إلى رتابة واقعها!

ترى بعينيه نظرات غمرها الاهتمام والشَّغف يخالطهما لمعة لا تعلم لها معنى، وعَمِيَتْ عن بعض المشاعر والكلمات رُسِمَت على وجهِه جلية، وأخرى أخفاها بصَـــدْره، قطع سيل أفكارها بكلماته، أعادها لواقعها دون مقدمات:
– الوقت جري، تعالي أروحك.
– مش هينفع، هروح لوحدي.
بدأ عقلها يسرد لها وقــــاحة ما فعلت؛ فلاذت بالهَـــــرب، وأمام الفيلا مقر الحفل وقفت لفترة لعلها تجد ما يُقلها لأقرب مكان للعمار! ولم تجد، حتى البرامج المعدة لهذا الغرض لم تنجدها، عدة دقائق مرت ثم وجدته يُوقِف سيارته أمامها:
– مفيش مواصلات، تعالي أوصلك، هنزلك مكان ما أنتِ عايزة، يلا.
امتثلت له؛

شارفت السَّاعة على الثَّالثة صباحًا، بقيَّ أقل من ساعة على موعد استيقاظ والديها، يجب أن تكون قبل هذا بقلب فراشها تعلو وسادتها، جاورته بسيارته، وقلبها يثب من موضعه، عادت أســــيرته من جديد، تفكيرها منحصر به، يصحو عقلها بكلماته، ثم يغيب بحلاوة قربه، ومع قرب الوصول إلى منطقتها تحدثت:
– تعبتك معايا، كان نفسي أقول لك تفضل.
– أكيد مش هينفع، أنا عارف ممكن تحصل لك مشكلة كبيرة لو حد شافني، جيتي الحفلة بدون علم أهلك، صح؟ هتدخلي البيت إزاي؟
– مش هيعرفوا، أنا عاملة حسابي، أنا بس تأخرت شوية، هنزل هنا.
– ده بيتك؟

– لأ، البيت بعد شارعين، لكن هنا في حاجات ليَّا. ترجلت من السيارة متجهة إلى إحدى العمارات غير المأهولة، أخذت كيس وضعته قبل ذهابها للحفل وأخرجت ما داخله، عباءة سوداء ونقاب بنفس اللون تختبئ داخلهما، لوحت له قبل توجهها لمنزلها، كتم ضحكته حتى أيقن ابتعادها، ثُمَّ انفــــ..ـجر ضاحكًا.
تحسست طريقها حتى أغلقت باب غرفتها، خَــــلعت ملابسها وارتدت منامتها، وأخفت جميع آثار جُرْمها، ثُمَّ حلَّقت معه بسماء أحلامها.

الفصل الثالث
أسبوع مر، لم يُكشف فعلها أو كذبها، أخمدت خلاله تأنيب ضميرها، واكتسبت مناعة ضد وخزه؛ ما عادت تؤلمها، تحدثها نفسها بالاتصال به، تتمنى أن يعيد طلبه، بعد تَرَدُّد وحيرة هاتفته، وعلى عكس ما توقعت تذكرها بسهولة، بل عرفها قبل أن تعرف ذاتها، وبعد أن كانت قد استقرت على عدم المشاركة في التَّصوير، وأن تشكره عمَّا فعل، تراجعت بسحر كلماته الَّتي أسرَت إرادتها وأخْضَعَــتها له مُسَيَّرة؛ فعدلت عن اعتذارها، بل نَظَمت الأكاذيب وحاكتها لتجد أسباب منطقية لخروجها وقضاء الوقت بالخارج أثناء التَّصوير.

أصبح الحقيقة والكذب سِيَّان بحديثها، استمرت تقابله حتى بعد انتهاء التَّصوير، كاد أن يمر كل ما فعلت دون عواقب؛ حتى وقعت الطَّامة فوق رأسها؛ فبعد عرض الأغنية المصورة وظهورها به، انتشر الخبر بين الأهالي بمحيطَّها بعد رؤيتها والتَّعرُف عليها، انتشر اللمز حتى وصل الخبر إلى والدها وبنفس اليوم ذهبت إليها صديقتها غاضبة:
– بجد يا سرمد! وصل بكِ لكده! متخيلة لمَّا والدك يعرف هيعمل إيه!
– قولي إنك غيرانة، صح؟! ما قولت لك يومها استني
– أنا خايفة عليكِ، النَّاس دي غيرنا، شايفنَّا بطريقة غريبة، يا سرمد صورك وأنتِ بترقصي على تليفوناتهم والفيديو كمان، متخيلة ممكن يعملوا أيه!

طاب مش خايفة والدك ووالدتك يعرفوا!
لم تكد تجيبها حتى انفتح الباب على مصراعيه، انطلق والدها نحوها وهو يسُبْ فِعْلها، انهال عليها بالصَّـفَعَات، وقفت والدتها على بعد خطوات مَصْــ.دومة مَقْهُ.ـــورة، تنتـــحب بصمت، أدْمَــت دموعها م…قل.ت.يها، تردد جملة واحدة:
– ليه كده يا سرمد؟ ليه كده يا بنتي؟
حَبَسَها بغرفتها وأحتفظ بالمفتاح معه، ثم هاتف أخيه يستغيث به، شعر بالضَّياع والعَ..جْـــز أمام فعل ابنته، ما سمعه من صديقتها ق……تله حيًا، كيف وصلت ابنته إلى الحَضِـــيض! هل أهملها؟ أم استغلت هي ثقته بها؟
يُدخِل لها الطعام بنفسه دون حديث، منع حتَّى والدتها من الدُّخول إليها؛

فطيبتها ستغلب عليها وستزيد ابنته فســــادًا، ينتظر قدوم أخيه وابنه يعيناه على إصلاحها وإصلاح ما فَسِد.
زادت سخطًا، وبينما زيَّن لها شيــ…طانها أفعالها قبَّح لها فِعْل والدها، استطاعت التَّواصل مع حليم خلسة، رغم أن والدها أخذ هاتفها في محاولة لقطع سبل التَّواصل بينهما، قصت لحليم كل ما حدث؛ فأظهر تعاطفه معها، واساها، بل حاول إنقاذها بأخذِ خطوةً جادة وسريعة، وقبل وصول عمَّها الذي يقطن بمحافظة أخرى، حضر وقابل والدها وجلس معه مُخاطبه:

– يا عمي، أنا باعتذر عن اللي حصل، هو سوء فهم، ومش أنكر إن فيه سوء تصرف بردو، لكن النية خير، وأنا بطلب من حضرتك إيد سرمد، أنا إعجابي بها مُتزايد مِن يوم الحفلة.
– اعتذارك مش مقبول، أولًا: أنت مش مدين ليَّا بحاجة عشان تعتذر، الغلط من أهل بيتي، وأنا كفيل بتربيتها من جديد، النِّية ربنا أعلم بها، أمَّا بخصوص طلبك؛ فهو كمان مرفوض.
– ليه يا عمي؟ عشان أنا مُمثل، متهيأ لي مش عيب ولا حرام!
– لا هي حياتنا ولا عاداتنا، طباعنا وتصرفاتنا غيركم.

– خد وقتك في التَّفكير و…
– ما فيش تفكير الموضوع مقفول من قبل ما يتفتح، شرفت.
خرج وهو يمعن التَّفكير، يريدها بشدة ووالدها لن يوافق، اتخذ قرارًا واستقر عليه، بدا حاسمًا لتنفيذه.
تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا، منذ أن علمت برفض والدها كاد عقلها أن يذهب عنها، كيف يمنعها أن تلمس النُّجوم وتجلس بينها؟! كيف يحول بينها وبين حلمها؟! لم تتخيل بأقصى أحلامها مجرَّد أن يحدثها، فكيف إن تقدم لخطبتها؟!

دخل والدها وطالعها بنظرة ساخرة، تأكَّد ظنَّه، هي تتواصل معه، وإن كان لا يعلم السَّبيل إلَّا أنَّه أكيد من تواصلهما، يُكَذِّب إحساسه بضياع ابنته فلذة كبده ومهجة قلبه، نظرات حادة زاجرة منه قابلتها نظرات مُصرَّة وَقِــحَة منها، أمرضت قلبه الحقت به العلل، جبلًا شاهقًا رسا على عاتقيه واستقر؛ فأحنى هامته وخرج كسيرًا مهزومًا.

عدة أيام مرَّت، وكل الأوضاع ثابتة، بالكاد يمنع أخيه عنها، فلن تأخذه بها رحمة أو شفقة، لن يتركها إلا دَامِيَّة، وهو لا يريد لها ضرارًا، يريد إنقاذها، ترك ابن أخيه يحدثها؛ فحديثه ليِّن يصيب القلب ولا يخطئ، ولكن ما أن دلف إليها، القت عليه سوء كلماتها، ولم تمنحه فرصة واحدة للحديث، باغتته بشدة إصرارها على الزَّواج من حليم وتحملها لجميع العواقب، وإلا ستهرب منهم إليه، وستتزوجه رغم معارضتهم.
رأى منها الإصرار والعناد؛ فشفق على عمه، جلس معه وأقنعه بمنحها فرصة لعلها تثبت صحة منطقها.

طرق دؤوب أيقظها من سُباتِها فيبدو أن النَّوم غلبها لشدة إرهاقها؛ فسيل ذكريات داهمها بلا شفقة، مُتذكرة نظرة والدها المتحسرة يوم عُرسها، ورفضه حضور الحفل، نحيب والدتها لا زال صداه يدوي بأذنها يقْــتُلها، متعجبة، كيف لم تهتز حينها ولم ترؤف بهما؟! نهضت بثقل تجر قدميها، تجيب الطارق، ولم يكن سوى ابن عمها:
– بابا عايزك، تحمليه يا سرمد، موت عمي خَـــــنجر مغروس بقلبه، لو احتد عليكِ ما تزعليش، هو معذور.

أومأت بصمت تحركت معه، جلست أمام عمها ناكِــــست الرَّأس، ملكها الوَهَــــن، مر الوقت بين نظرات فايز المشفقة وأخرى لعمها ترشُـــ.ــقها بسِــ.ــــهامٍ مسْمُ..ــــــــومة تصيب القلب والضمير، وكأنَّ عمها أراد تأديبها بصمت قطعه حينما أراد بكلماتٍ ذات نبرة حـــــــادة خالية من الرَّحمة:
– راجعة ليه؟ مش قولتي عمرك ما ترجعي هنا تاني! وإنك ما صدقتي تطلعي من وسط الطين والجهل!
– كنت غلطانة، أنا آسفة! والله آسفة وندمانة!
– والمطلوب؟
– عايزة أرجع، اتطلق، أرجوك ساعدني! مش هاقدر أرجع للي كنت فيه.

– اختيارك، قولتي هتتحملي النَّتيجة والعواقب لوحدك، رفضتي نُصْحِنا، كلنا حاولنا معاكِ، أبوكِ مات بحسْــــرته منك ومن بعده أمِّك.
ضغطت كلماته على جَــــــرحها الغـــــائر؛ أدمَـــــــته بلا رحمة، انتحبت حتى كاد قلبها أن يتوقف من وطأة الألم، حاولت لملمت شتات نفسها ثم تحدثت بإذلــال:
– دفعت تمن كل اللي قولته غالي قوي، كل يوم كنت ببعد عن نفسي خطوة، بقيت مســــــخ! ورحمة بابا! عشان خاطر ربنا ساعدني! اعتبر مساعدتي صدقة، أنا.. أنا…
– بابا، أرجوك!
نظر له والده بحدة أخرســـــــته، تسرب اليَـــــأس لقلبها، أيقنت إنَّها أحكمت حولها حصون الوحدة؛

فلم يعد لها ناصِرًا، صدر حكم نهائي بنفيها بعيدًا عن ديار الأحباب؛ فجادت عينها وأغدقت بمطرٍ لو حط بأرضٍ عجاف لأثمرت وأينعت ثمارها.
ضرب العم الأرض بعكَّازه ناهضًا، ألقى عليها نظرة معتمة لا توحي بما عزم أو انتوى، التف متجهًا لغرفته منهيًا النِّقاش، لولا صدوح صوت طرقات على باب المنزل، جعلت ثلاثتهم يصوبون أبصارهم جهته، وتقدم فايز لاستقبال زائرهم، الذي خطا للداخل دون إذنٍ أو ترحيب، وتحدث بصوتٍ جهوري غاضب:
– طبعًا هنا، كان لازم أتوقع ده! رجعتي لأصلك من تاني.

ارتَجَفَـــت أوصالها لرؤيته، تزايدت رجفتها مع خطوته الوحيدة الَّتي خطاها تجاهها، انْتَــــفَضَت من محلها مهرولة تقف خلف عمها، لم تشعر بقبضتها التي أمسكت بظهر جلبابه تحتمي به، منعه فايز من أخذ الخطوة التَّالية بوقوفه أمامه كسدٍ منيع حال دونها، هدر عمها به:
– هما كده ولاد الأصول، مهما بعدوا وغربوا يجي يوم ويرجعوا لأصلهم، الدُّور والباقي على اللي طلعهم شيطاني لا له جِدْر ولا أصل.
ابتسم حليم مستخفًا بحديثه:

– بنت الأصول هي اللي جريت ورى الطَّلع الشَّيــ…ــــــطاني، كذبت وتحـــــدتكم عشان توصلِّي، وفضلتني عليكم، واللي ما زارتكمش ولا خطت هنا طول سنة، اللي قالت لي في يوم «أنتَ كل أهلي»، واللي خرجت من بيت جوزها قرب الفجر بدون ما تعرفه أو تستأذن.
صمت لحف المكان لمدة ثوانٍ قطعته سرمد بصوت واهِــــن متحشرج:
– كنت غلطانة وغبـــــــــية، انخَـــــــدعت ببريق ونور بيضوي، جريت عليه بكل طاقتي لحد ما انكويت بناره!
– دلوقتِ بقت نــــار! أمم، والمجوهرات والفسح والشُّهرة بريق كل دول أصبح نـــــار! ماسكة في عمِّك وأنتِ قبل بعتي أبوكِ! تفتكري هو أو أنا ممكن نصدقك؟!

نكَّسَــــت هامتها وارتجَــــــفت يدها، بل زلزلت، بينما أخفض عمها رأسه لا يقوى على الدِّفاع عنها بالرغم مِن إدراكه خُــــبث نية حليم الَّذي أصاب ضربته، أمَّا فايز فطالعها لثوانٍ، ولمَّا رأى النَّدم بقسماتها جليَّا رد عليه بثقة لم يدرك هو ذاته من أين اكتسبها!
– أنتَ مش فارق معانا، أمَّا هي فمصدقينها ومسامحينها؛ كانت في غفلة وفاقت، فطلقها بالذُّوق؛ لأننا هنفضل جنبها وهنساعدها تعمل اللي يريحها.
– بسهولة كده!
وقف أمامها طالعها بشَـــــــــراسة وتحَــــــــــدي، ثُم سألها بمَــــــكر:
– يا ترى حكيتي لهم اللي حصل طول السَّنة دي؟! أو عرفتيهم قولتي عليهم أيه؟

ما تفتكريش الخسَــــــــارة اللي حصلت لي بسببك هعديها كده! تحبي أفرجهم على فيديوهاتك وصورك! أرجعي يومين أخلص شغلي وروحي في داهـــــــية بعدها.
– احترم نفسك! ومهما كان اللي حصل هنشطبه من ذاكرتها ومش هنحاسبها عليه، لسبب بسيط إن أنتَ المسؤول عن تصرفاتها طول السنة دي باعتبارك زوجها.
رد عليه فايز بحدة وشراسة مُمَاثلة، وقد استفزه تهْـــــدِيده لها على مسمع منه ومن والده، بينما استرعى انتباه والده معنى آخر بحديثه:
– خســــــــارة أيه؟ وأيه علاقة سرمد بشغلك؟!

تعالت أنفاسها وغطت على أصواتهم، ضربت أوصالها برودة شديدة جعلتها متيبسًا، شَـــحب وجهها ضاهى الأمــــــــوات، نظر لها حليم شَــــامِـــتًا، ثُمَّ التف مغادرًا، أمَّا عمها وابنه فوجَّها انظارهما لها وعقلهما يصنع التَّصورات ويضع الاحتمالات ويطرح الأسئلة، وقف العم أمامها مستفسرًا ولم يُعر لحالتها اهتمام:
– أيه علاقتك بشغله؟ ليه عايزك يومين؟ هتخلصي الشُّغل إزاي؟!!!
مادت بها الأرض، تمنت لو تقفد وعيها أو حياتها، كادت أن تسقط لولا يدا فايز التي هرعت إليها تدعمها وتمنعها السُّقُـــــوط، وانطلقت كلماته تدعم روحها تقويها:
– مهما حصل ومهما غلطتي احنا معاكِ.

طالعته بأعين غشتها دموع النَّدم الخَـــــائفة، وضعت راحتها على كفه تطالبه بما وعد، ترجوه ألا يخلفه، بينما نظر لها عمها بغضبٍ ساخرٍ وانسحب إلى غرفته؛ ليختلي بنفسه ليحدد خطواته التَّالية. – ارجعي شقتك، ما تخافيش أنا معاكِ، مهما حصل منك أو معاكِ الشُّهور اللي فاتت، أيدك في أيد بابا وأنا معَكم نصلح كل اللي فات إن شاء الله، قولي يا رب.
ساعدها لتعود لمنزلها، استسلمت له تتحرك كما يوجهها، وسبح عقلها في ذكرياتها، بعد حفل زفافها بعدة أيام.

الفصل الرابع
طوال ساعات الحفل وحتَّى الأيام التَّالية له لم تنقطع التَّهاني، قابلت جمع الفنَّانين والمشاهير، كل من تمنت يومًا التقاط صورة مع أحدهم أو رؤية أيهم لوهلة مِن الزَّمن، الجميع يرتدي أفخر الثِّياب من الماركات العالمية، ولأشهر المصممين، سيدات وفتيات يعتبرن لوحة فنية شديدة الدِّقة، كلهن يملكن جَسَدًا ممشوقًا ومنحوتًا، بدون أي شوائب أو عيوب، وجوهٍ مثالية متناسقة التَّفاصيل، نساء يتباهين بجمالهن ورشقاتهن، يبرزن مَفَـــــاتنهن بثيابهن التي بدت كجيدهن تمامًا، بعضهن زين طلته بحياءٍ مُدَّعٍ زائف، والبعض الآخر أكتفى بمجوهراتهن.

أثناء استعدادها لأول حفل تمت دعوتهما إليه، وقفت أمام مرآتها تطالع جسدها تمرر راحتها عليه، مر بعض الوقت وهي على حالها، انتبهت على صوت حليم، الذي وقف خلفها وضمها إليه بحب وعلى وجهه بسمة بشوشة، سألها باهتمام واضح:
– حبيبتي «سِرِي» سرحانة في أيه كل الوقت ده؟!
– ما حستش بِك لما دخلت، آسفة.
– عشان سرحانة، اعترفي حالًا سرحانة في أيه؟
طالعته بصمت وتردد؛ فشجعها بنظراته لتتحدث:
– السِّتات اللي حواليك كلهم مليكان متحرك، ملكات جمال، ليه ما فكرتش تتجوز حد منهم؟
قهقه على حديثها ثم أجابها:

– عشان فضلتك عليهم كلهم، عندك اللي مش عندهم يا سِرِيِ، وبعدين ما أنتِ قمر أهو، أنا حبيتك بكل ما فيكِ الحلو واللي مش قوي، أقولك مش شايف عيوبك أصلًا.
– يعني أنت ملاحظ بردو، هو ممكن أعمل عملية تجميل؟ نفسي أبقى أحلى واحدة حواليك!
– أنت أجمل واحدة في عيني فعلًا، ومش شايف العــــيوب دي بالعكس شايف إنَّها تمييزك عن الكل، لكن لو عايزة تعملي تجميل فكل فلوسي تحت أمرك.

– عايزة من زمان بس بابا كان تفكيره مُخْتَلف وما راضيش، أنا عايزاك تتباهى بيَّا وما تكونش مكسوف منِّي
– لو هطاوعك هيكون عشان أنت عايزة كده، لكن أنا دايمًا شايفك ملكة الكون.
– كلامك بيسحرني من أول مرة تقابلنا، يســــــلب إرادتي، بمشي وراك بدون تفكير.
– دي أحلى حاجة فيكِ، إحنا بعد الحفلة هنطير على لبنان تعملي عمليات التَّجميل اللي نفسك فيها، أنا عايزك مبسوطة ما تخليش في نفسك أي حاجة.

لم يبخل عليها، صرف ببزخ، قابل أفضل وأمهر الأطباء هناك، وجدته يوضح للطبيب عيوب مُتعددة بجسدها، أشياء لم تخطر ببالها من الأساس، اهتزت ثقتها القليلة بنفسها، باتت شبه معدومة؛ فهي لا تملك مظهر جيد وعائلتها بسيطة جدًا، بعيدة كل البُعد عن الحياة المخملية التي تحياها معه، أصبحت تابعه له كليَّا، تفعل كل ما يريد وما تشعر أنه يفضله، وكلَّما مر الوقت اضْمَحَلت ثقتها بنفسها أكثر.

تعددت الحفلات التي تحضرها معه، تجد النِّساء على مختلف أعمارهن ترتدين ما يبــــرز ويوضح منحنياتهن ويُجَمِّلها، قصات شعورهن كالتيجان فوق رؤوسهن وهي تضع قطعة قماش مُزينة على رأسها، تمنت لو لم تكن محجبة، نقطة بداخلها تحثها على البقاء عليه وتشبثها به.
– حبيبتي أنتِ لسه ما جهزتيش، النَّاس وصلت منتظرين نزول ملكتي الجميلة، مالك! تايهة ليه؟
– مش عارفة، شكلي حلو؟
– قمر يا سِرِي.
– طيب الفستان مش ضيق قوي وقصير؟
– حبيبتي مش أنت اللي اختارتِ الفستان! مالك بس!
– حسيت أنه عجبك فأخدته بس قصير.

– هو تحفة عليكِ، بصي مبين جمالك إزاي! أمال عملتي التَّجميل ليه مش عشان نظْهِر الحلاوة دي كلها، والنَّاس يحسدوني على جمالك، وهو مش قصير ما هو طويل للأرض أهو!
– شيفون يا حليم، يعني مش مغطي وضيق قوي، ده غير لونه أحمر ناري.
– عشان كده مزود جمالك، يزود شغف اللي حواليكِ أنه يشوف الجمال اللي مش واضح منهم، ويدقق فيه.
طالعه بتيه وبعض التَّرَدُّد، أثـــــارت حنــقه:
– سرمد، أنتِ هتعترضي دلوقت! النَّاس تحت، لو مش عايزة تنزلي براحتك، أنا نازل.

كاد أن يتركها غاضِــــبًا، فارتَــــجف قلبها انتــفَـضت تتعلق بيده:
– أنا آسفة، ما تزعلش منّي، طيب أيه رأيك، أطلع خصلة من شعري ولا أخليه كده؟ عادت البسمة مرتسمة على وجهِه:
– حبيبتي قمر في كل الأحوال، وسط الحفلة مع الحركة شعرك بيطلع من الطَّرحة لوحده بطريقة مُغـــرية.

مال على أذنها وتحدث بنبرة تشع رغــــبـة:
– ببقى عايز التهمك قدامهم كلهم خصوصًا في فقرة الرَّقص الشَّرقي، عارفة معظم العقود بوقعها في الوقت ده، أنا كنت عامل لك مفاجأة يا حبيبتي، حجزت لك مجموعة جلسات لتتقيل الشَّعْر وكمان حجزت في أشهر مركز تجميل؛ يعملوا لك أحدث القصات، أمَّا لون صبغة شعرك فاخترتها لك بنفسي.
– بحبك قوي يا حليم، ما تبعدش عني أبدًا.
– وأنا أقدر بردو! يلا بقي النَّاس زمانهم زهقوا من انتظارك.
استقبلها الجميع كالملكات، ينحني أمامها الرِّجال ويقبلون يدها قبلات يقْـــــشعر لها جَسَــــدها، حينها تنظر لحليم وتجده مرحبًا بما يحدث؛

فتخشي أن تحدثه بعدم رغبـــــتها في فعلهم؛ كي لا يغْـــــضَب منها أو يتجنبها كما فعل من قبل، بعد فترة ومع بعض المشروبات التي يعطيها لها بنفسه بنسبة بسيطة؛ لتعطيها الجرأة تألقت كما رغــــب، لكن بهذه المرة تجرأ أحدهم أثناء إحدى الرَّقصات وسَبَحَتْ يداه على جَسَدِها قليلًا، انتــفَــضت غــاضِــبة ولكن قيــــدها خَوفِـــها من ردةِ فعل حليم، فما كان منها سوى الانسحاب لأعلى، لم تعلم أن حليم يتابع ما يحدث بالفعل، ولم يُعْجَب برد فعلها، وقف مع الرجل حدثه ببسمة معتذرة، ثُمَّ صعد إليها راسمًا بعض الغَـــضَــب على قسماته، اقْتَـــــــحم الغرفة؛ فارتَـــــعشت وزلزل كيانها، نظرت إليه بترقب، يسأل عقلها:

أهو غــــاضِـــــــب منها أم مما حدث؟ أيتَّهِمها بالسَّماحِ للآخر بفعلته؟ أم يجد ذلك البغِــــــيض هو المُخطئ؟
– عمل أيه بالظبط خلاكِ تنْفِزْعِي كده؟ قولي وأنا أطربقها على دماغه، حتَّى لو شغلي معه انتهى، أنا ما أقبلش أنْ أي حد يضايقك، حتى لو أخْـــــسر فيلم بملايين.
– هو يعني.. يعني…
– ما تتكلمي يا سرمد!
– أيده سرحت شوية، وساعات يشدني جامد كأنَّه حــــاضني.
– بس كده، ممكن يكون سرح! أو مش قاصد، أصل الحاجات دي عادية، ولا حصل حاجة أكتر ومش عايزة تقولي! أنا كنت متابعكم وما شوفتش ده.

– والله ده اللي حصل، أنت مش مصدقني؟!!!
شكَّت بنفسها متسائلة: أتتوهم؟! ولكن كيف! تشعر بلمساته المَـــــقيتة حتَّى الآن، نظرت داخل مقلتي حليم ورأت شرارات غــــــضب منها، لم تجد من نفسها سوى الامتثال له والتراجع:
– يمكن تهيأ لي، أنا آسفة، هنزل أعتذر له، ما تضايقش منِّي.
أمسك ذراعيها برحتيه ببعض الشِّـــــدة وقربها منها، شَنَّ عليها حَــــــرْب بنظراته، قابلتها هي بانْهِــــزام وخُضُـــــــوع، تمكن منها نَـــــــزَع منها ثقتها وإرادتها زرع بها الشَّك، زعزع دواخلها، تهدجت أنفاسها مُنذِرة بهطول عَبرَاتها، بتلك اللحظة ضمها إليه بحنان خالف ما فعل باللحظة السَّابقة، تحدث بنبرة حنونة شجية ولمسات ناعمة داعمة:

– عمري ما أسمح أنك تعتذري لحد غيري، أنا بس اللي تعتذري منه، أنا بس اللي أشوف دموعك وأمسحها لك، أنا بس اللي أعاقـــــــــبك، زي ما هيحصل النَّهاردة بعد النَّاس ما يمشوا.
ارتَــــــــجفت بين يديه؛ فابتسم براحة واسترسل:
– لو مش عايزة تجربي عِقَــــاب حليم يبقى تنزلي وتتعاملي عادي بلطف وهدوء مع الكل، الكل يا سِرِي، وأنا هحل اللي حصل من شوية.
– حاضر.
– أيوه كدة هي دي سِرِي حبيبتي.

بالأسفل رسمت على وجهها بسمة مهزوزة، حجز حليم كفها بكفه يدعمها ويوجهها، أمهلها بعض الوقت لتعود لطبيعتها، ثُمَّ تحرك معها تجاه نفس الشخص، تحدث للجمع موضحًا أنها رغــــــبت ببعض الراحة لتتمكن من مواصلة الحفل بنشاط، حجة مقبولة وعذر مبطن، مر الحفل وغادر الجميع منتشين سعدين بحفل يعُج بما تهوى الأنفس.
بغرفتيهما وبعد تبديل ملابسهما وقفت أمامه مرتبكة، تشعر بعدم رضائه وتغيره، لم يُعاملها بلطفٍ وحميمية كما اعتاد، جاورته والتصقت به، تعتذر له بتصرفاتها، كما اعتذرت له مرات عدة بكلماتها، نظر لها بطرف عينيه، تركها على حالتها للحظات ثم تحدث:

– أنا كنت زعلان وقوي، كنت هعمل مشكلة في شغلي لأنك توهمتِ شيء ما حصلش، لكن بصراحة قدام الجمال ده خلاص مش زعلان. دفعها بلطف على الفراش واعتلاها بحميمية، حاصرها بجَسَــــده ويده نظر داخل عينها برغبة جامحة وتحدث بنبرة لم تختلف عن حالته:
– المرة الجاية هعـــاقــــبك عـــــــقَاب كبار، نفسي تغلطي عشان أجربه معَكِ هتنبسطي لدرجة تؤلمكِ.

طرقات هادئة انتشلتها من ضحل ذكرياتها، استقبلت زائرها ولم يكن سوى فايز، الذي تحدث متعجبًا منها:
– صباح الخير، أنتِ لسه بهدومك من إمبارح! وما نمتيش! ليه كده؟ كل مشكلة ولها حل، أوعدك أكون معاكِ وفي صفكِ مهما حصل، استهدي بالله، غيري هدومك وتعالى نفطر مع بعض، بابا منتظرك بالرَّغم من إنه زعلان منك وعليكِ، لكن هو كمان في صفك، دي وصية عمي ووالدتك من بعده.
– الله يرحمهم، ليه ما كلمتنويش لما ماما تعبت يا فايز؟ كان نفسي اشوفها وتسامحني.
لم يجيبها لكنه طالعها بطريقة لم تفهمها، تحمل استفهام امتِــعــــــاض وتعجب، مرت فترة صمت قطعها فايز:

– اجهزي وتعالي، موبايل طنط معايا هشحنه على ما ناكل هتلاقي إجابة سؤالك فيه. تركها مع حيرتها، تُفكر فيما قصد بقوله، ما الذي قد تجده على هاتف والدتها ويجيب سؤالها؟ انتهت وانضمت إليهما وسط تجاهل تام من عمها، أعطاها فايز الهاتف كما أخبرها، انفردت به في غرفة والديها، تشاهد صورهم معًا وبين حنين واشتياق انسابت عَبَرَات صامتة تُلهِـــــب الفؤاد تحْــــــرقه، فتحت أحد الرسائل الصوتية بينها وبين والدتها؛ لتسترجع صوتها ونبرتها التي اشتاقت إليهما بلوعة معذَّبة، بدأت بآخر تسجيل صوتي مرسل بينهما، وما استرعى تعجبها وحيرتها عدم وصوله ووضع علامة واحدة جانبه تدل على عدم استقبالها له، فضغطت تستمع لكلماتها:

– «رغم إني عارفة إن التَّسجيل مش هيوصلك إلا إني مش قادرة أبطل أبعت لك، وحشتيني يا سرمد قوي، نفسي أشوفك، حاسة إن الأجل هيجي وأنتِ بعيد، كده بردو كل الشُّهور دي ما أشوفكيش، قدرتي على البُعد كده! طيب أنا قلبي تعب في بعدك يا بنتي، أرجعي أشوفك ولو هتصـــــرخي في وشي زي ما عملتي يوم دفن أبوكِ، المهم أشوفك، فُكِّي الحــظــر ده بقى يا بنتي، ابعتي إن شا الله صوت نفسك أو ضحكتك، طيب أبعتي صورتك، لا، لا بلاش صورة، بلاش، ليه تعرضي جـــــــــــسمك كده يا بنتي، هي دي تربيتي أنا وأبوكِ لك».

تقلصت معالمها وعلا نشيجها؛ فقد اختلطت كلمات والدتها جميعًا ببكاءٍ حــــــار وشهـــــــقات أدمَـــــــت قلبها، عن أي حظر تتحدث والدتها، كيف ذلك؟ لم تفعل، بل إنَّ والدتها هي مَنْ حظرتها يومًا هي أكيدة، انتقلت للتسجيل السَّابق له وكان بنفس المعنى، تسابقت دموعها للهطول طوال الوقت، تسجيل تلو الأخر إلى أن وصلت إلى تسجيل واضح من العلامات المجاورة له أنها استقبلته، بل واستمعت إليه، لكنها لا تتذكره مُطلقًا، فتحته بيدٍ مُرتجفة وعقل أوشك على الانفجار من وطأة الأفكار المتدافعة به، واستمعت إلى صوت والدتها الذي حمل لوعة واشتياق، بل ورجاء أيضًا:

– «حبيبتي يا بنتي، نفسي أشوفك وأحضنك، ما تزعليش عشان كنت عاملة لك حظر، أنتِ تطــــــاولتِ عليَّا جامد وسط عزاء أبوكِ، قلبي كان واجعنِ وبالرَّغم مِن كده ما قدرش يغضب عليكِ، أوعي تصدقي إني غضــــــــبانة عليكِ، لا أنا ولا أبوكِ قدرنا، بالعكس، كنَّا بنحلم باليوم اللي ترجعي فيه وأنت عارفة سبب رفضنا لجوزك، وكنَّا هنسامحك وناخدك في حضننا، احنا خايفيين عليكِ، والله! بس لو أنت مرتاحة خلاص تعالي، والله مش هزعلك ولا أزعله، بس تعالي، عايزة أحس بحضنك ولو مرة قبل ما أموت».

تحركت مهرولة نحو شقة عمَّها والدُّموع تشــــق مجراها، كادت تمنع رؤيتها، طرقت الباب بهيستريا، جعلتهما ينتـــــفضا فـــزعًا خصوصًا حين رأيا سوء حالتها، كاد فايز يسألها وقد تملكه القلق وبعض الذُّعْــر، لولا أنَّها سبقته:
– والله ما عملتش كده، ما سمعتش رسالتها، لو كنت سمعتها كنت جيت جري، كنت بمــــــوت والله! كان نفسي أسمع صوتها، كنت خايــــفة تُطردني، كان دايمًا يقول كل مرة يجي هنا أنكم رافـــــضين وجودي ومعتبرين إنِّي مــُـت، كنت ببكي في حضنه بالأيام من كتر اشتياقي، كنت باخد مهدئات عشان أقدر أنام، كنتم رافضيني ليه طيب! ما خليتونيش أجي ليه؟

– ما جاش يا سرمد، ما جاش هنا غير مرتين، الأولى في عزاء عمِّي والتانية إمبارح. صُدِمَت وتراجعت خطوة للخلف، كيف لم تتوقع؟ هو سلـــبها كل شيء، كل شيء، لم يبقَ لها سوى التَّعاسة والنَّبذ، سلبها حتَّى نَفْسَها، أمسك فايز رسغها بلطف وأدخلها لقلب المكان، ولا زالت الصَّدمة مُتملكة منها، لم تمر بضع ثوان واستمعت لصوتٍ باتت تبغـــضه وتمقطه، وجد الباب مفتوح؛ فدخل بدون استئذان:
– يلا في حفلة بعد كام ساعة، تخلص وتتنازلي عن حقوقك -كفاية عليكِ الهدوم – بعدها أطلقك.
اندفعت نحوه، تجذبه من ملابسه بكل طاقتها، تخرج به جل غضبها:

– حرام عليك، منك لله، منك لله، كان نفسي أشوفها، كان نفسي في ضمَّة واحدة منها، ضيعتني ومــــوتُّهم بحـــسرتهم، طاب هما ارتاحوا من وجع القلب والدُّنيا، لكن أنا أعمل أيه؟
دفـــــــعها عنه بخُــــــشونة، لكنَّه لم يتمكن مِنْ ابعادها، ففصل بينهما فايز ببعض الشِّــــدَّة، تحول غضــــــبها لوهَـــــن مع كل حرف تفوه به حليم، لم يتركها فايز بالبداية ليحول عودتها للاشتباك بزوجها، ثُمَّ ليمنع سقوطها حين شعر بتزايد وهنَـــــها مما تسمعه:

– بلاش تمثيل، أنتِ اللي بعتيهم وجريتي ورا بريق الغِنَّى والشُّهرة، اللي دلوقت بتقولي عليهم نـــــار، أوعي تنسي عملتي أيه عشان توصلي لي، خرجتي من وراهم، تجاهلتِ كلام صاحبتك وتحذيرها، قدمتِ وصلة رقص عشان تلفتيني لكِ، هددتِ أهلك بالفض،،ـــــــــــيحة لو ما وافقوش عليَّا، فما تجيش دلوقت وتقولي حَـــــرام عليك أنتَ السَّبب.
وضع أمامها الحقيقة عَـــــ،ــارِيَّة، أوقفها أمام مرآتها؛ فعكست لها سوء ما فعلت وما تجني ثماره الآن، لم تستطع تحمل مـــرارَة المُواجَــــــهة؛ فســـــقطت مغشي عليها بين يدي فايز الَّذي حملها لغرفة عمها، بينما وقف العم في مواجهة حليم محدثًا إياهُ بغضبٍ حمله داخل جوفه لعامٍ كامل، عاد فايز ووقف خلفه:

– بص، أنا سايبك تطيح براحتك، لكن لحد هنا وتقف عندك، الجوازة دي غلط من الأول، وحان وقت فضَّها، تطلق بالذُّوق أو بالعـــــ،ــافية اختار اللي يعجبك، اللي حصل منها طول فترة جوازكم عيب في حقك، لأنَّها المفروض عرضك، أمَّا اللي حصل منها قبل جوازكم فدفعت تمنه سنة من عمرها وموت أبوها وأمها بدون ما تودعهم، أنتَ عايز تاخدها الحفلة تتاجر بها، وده أبعد ما يكون إنَّه يتحقق، مش هقول لك ده اسمه أيه؛ أنتَ عارف اللي زيَّك يتقال عليهم أيه! أبعد عن سرمد بالذُّو،ق وطل،قها، ده أمر، أو أعتبره تح،ذير وإنذ،ار.

ابتسم بتهكم:
– أمم، اللي بيحذر وينذر يكون في ايده قوة، يا ترى أيه القوة اللي تقدر تجـــــبرني بها! هتدعي عليَّا مثلًا!
– واحد زيَّك طبعًا ما يقدَّرش قيمة دعوة المظلوم، لكن الدُّعاء بنسيبه للستات لأنهم ضعاف، لكن الرِّجَال اللي أنت ما تعرفش عنهم حاجة، رجال أفعال، في مقدورنا نعمل كتير، أقل حاجة ممكن نرفع عليك قضية خُلع ونذيع الخبر في كل الصُّحف والجرائد، تبقى لك فضي،حة بجلاجل، على كام صورة للي حصل في الحفلات وتتحول لقضايا شرف، تحب أكمل؟!
انتفخت أوداجه مِنْ شدة الغَــــضَب، غَـــلت الدِّ،،،م،،اء بعروقه، فتحدث بتهـــديد ووعيــــد:

– تليفون واحد مني لشخصية من الشَّخصيات الكبيرة، تترموا كلكم في الحبس، ما تلعبوش بالنَّ،،ار، مش جديد عليها المطلوب منها بقالها شهور بتعمله.
– الجديد أنَّها رجعت لرجالة يحموها، عمري ما أسيب بنت أخويا لواحد زيَّك، حتَّى لو هي قبلت.
أكمل فايز ما بدأه والده، وتحدث بثقة وهدوء:
– ما تنساش يا حليم إن السُّوشيال ميديا بتختصر الطرق، فيديو واحد لها وهي منهارة وبتحكي اللي عملته فيها، الطرابيزة تتقلب عليك وكل اللي تتحامى فيهم هيتخلوا عنك، وينكروا أي صلة تربطهم بك، بالعكس هيقفوا في صفنا ضدك؛ عشان يأكدوا للرأي العام أن تصرفاتك ضد مبادئهم.

– بنت أخويا مش هتاخد منك حاجة لا فلوس ولا هدوم، هتخرج من عندك باللي دخلت به وبس، مش عايزين أي حاجة متأكدين إن مصدرها حرام، كفاية اللي دخل جوفها وهي عندك.

الفصل الخامس
تركهما وغادر، يود لو يحْــــــرقهما أحياء لم يتوقع أن يصبحا ســـدًا منيـــــعًا لها، بل توقع أن ينبــــــذاها خصوصًا بعدما علما بعض أفعالها وتوقعا البقية، موقن من خســــــــارته اليوم، لن يستطيع جني ما أراد، توقع ثــــــورَتها عليه، لكن ليس بتلك السرعة، أنقذت نفسها مما دُبِّر لها اليوم، قد أعد لها من قبل فرارها ما سيجعلها بالقاع ويحول دون عودتها لعائلتها، ولكنها نجت بنفسها منه، حدث نفسه بغضب: «أكيد حد حـــــذرها، مش معقول تصحى مرة واحدة كده، صحيح بشوف اعتراضها في عينها ومش بتقدر تنطق به، لكن بردو اللي حصل أسرع من تغييرها ومن تفكيرها».

لم تفارقها الكوابيس لازمتها وأرَّقت نومها؛ فانْتَـــــفَضَت بفَــــزع تشْهَـــــق كمن يستنشق النَّفس الأخير، حاولت تهدئة روعها حتَّى انتظمت أنفاسها، طالعت المكان حولها بتيه، ليست غرفتها أو غرفة والديها، خمَّنت أنَّها لعمِّها، أطبقت جفنيها يعاد بعقلها كل ما حدث بالليلة السَّابقة، أكلها النَّدم، أخذت تُحاسب نفسها يسرد عقلها عليها باقي حياتها مع حليم وما تغافلت عنه سهوًا أو قصدًا؛ باتت تشك في نفسها.

من بعد تلك الحفلة وهي تخشي غضبه ولو كان طفيفًا فقد هددها بعقاب لا يهديها عقلها لماهيته، وتخشى حتَّى السُّؤال عنه، أحيانًا يتجنها دون سبب، يتركها مع حيرتها وقلقها إن كانت أخطأت ولم تُدرك، وباقتراب موعد إحدى الحفلات، وبحلول موعد شراء ثوب مناسب للحفل، وجدته ينبـــــــذها، يتعمد عدم الجلوس معها، يعْــــــبس بوجهها إن تلاقت الأعين، ما عادت تحتمل؛ فقد اقتصرت حياتها عليه فقط، هو مَنْ تحدثه أو تشكي إليه أو تسعد معه؟ ذهبت إليه بغرفته التي أنتقل إليها منذ عدة أيام، تتحرك بخطًى مُثقلة، أخفضت رأسها وتحدثت بنبرة منكسرة راجية:
– حليم، أنتَ زعلان منِّي؟ أنا عملت حاجة ضايقتك؟

كان جالسًا على أريكة وثيرة، نظر لها بطرف عينه، ثُمَّ تجاهلها مُتابع ما يقرأه بهاتفه؛ فتقدمت بضع خطوات إليه وقد ألمها تجاهله المتعمد الذي يُصر عليه ولا يتراجع عنه:
– أرجوك لو زعلان عرفني، لو غلطت نبهني أو حتَّى زعق لي، لكن ما تتجنبنيش كده! ما بقاش ليَّا غيرك.
مرت لحظات طويلة مِن الصَّمت، لم تجد ما تقوله وقد يأَسَتْ من تراجعه عن هجْــــــرِها، التفت لتغادر، امسكت مقبض الباب وكادت أن تحركه لولا شعورها به خلفها؛

فالتفت إليه تطالعه بصمت، منتظره قوله أو فعله، ولم تنتظر كثيرًا فبعد التفاتتها مباشرةً دفَــــــــعها ببعض الشِّدة للجدار، ثبَّـــت يديها بكفيه عليه، ثُمَّ نظر داخل مقلتيها بحدةٍ أسْرَت رجفةً بجَسَـــدها كتيار كهربائي امتَــــصَّ الدِّماء مِن أوردتِها، اتسعت مقلتيها ولهَــــثت أنفاسها ذُعرًا، ظنَّت، بل أيقنت أنها ستتلقى أول ضَرْ،بَ،ـة منه، والآن، وهو غاص بعينيها وتحدث بنبرة هادئة باردة زادت توترها:
– مش عارفة عملتي أيه يزعل؟
حركت رأسها بإماءة نافية تعبر عن جهلها بما يزعم، فاسترسل:
– ركزي، واعصري تفكيرك.
– مش فاكرة، والله!
– عايزة تعرفي؟

أومأت مؤكدة رغبتها لمعرفة ما ارتكبته وأغضبه، فدنا مِن أذنها وتحدث بفحيـــــح خافت ألقى الذُّعـــــر بقلبها المرتَـــــجف:
– لو قولت هتتعــــــاقبي يا سرمد، أنا حذَّرْتٍك قبل كده.
رفع رأسه قليلًا لتتلاقى النَّظرات، ابتسم بخبث أخفاه بالسَّابق:
– هاه عرفتي؟
أومأت نافية، ابتسم بجانب فمه:
– عايزة تعرفي؟ لو مش عايزة عادي، لكن ما تجيش تتكلمي معايا ولا حتَّى بالحفلة، تبعدي وتسكتي لحد ما أتجاوز اللي حصل، وهيكون الكلام ما بينَّا بحدود، قرري، لو عايزة تعرفي خليكِ مكانك وغمضي عينك، لو مش عايزة افتحي الباب واخرجي.
تحدثت النَّظرات لبعض الثَّوانٍ، أومأ لها بعينيه مؤكدًا؛

فما كان منها سوى الرُّضــــــوخ، أغلقت عينيها، تســــارعت دقات قلبها وتصــــــارعت، وبينما ثبتت هي محلها، اعتلت البسمة وجهه وخرج من الغرفة أمرًا جميع الخدم بالهبوطِ للطابقِ السُّفلي للفيلا، منعهم مِن الصُّعود لأي سبب كان، وإن وجب التَّواصل يكون عبر الهاتف الدَّاخلي للغرف، ثم عاد إليها فوجدها على حالها ملتصقة بالجدار مطبقة الجفون ترتَــــــجِف، اتسعت بسمته، أغلق الباب واسمعها حركة المفتاح داخله يؤكد استحواذه عليها كليًا وفصلها عن العالم الخارجي، دنا بوجهه منها يخبرها:
– الأوضة دي هتدخليها كل مرة تزعليني هتخرجي منها وأنتِ عارفة غلطك ومتحاسبة عليه، وأوعي تكرريه يا سِرِي، فاهمة؟
أومأت مؤكدة؛

فقد فقدت صوتها من شدة الرُّعـــــــب، واسعده ذلك هي تتحرك كما رسم بالضبط.
– تسمعي كلامي بالظبط، تعملي كل اللي أقوله، فتحي عينك.
فعلت ووجدته قد أغلق النَّوافذ وأسدل السَّتائر، أظلمت الغرفة سوى من إضاءة خافتة حمراء زادت الموقف رهــــبة، احتَــــــقن وجهها بالدِّمـــــــــاء ولم تؤتها الجــــــــرأة لرفع عينها إلى وجهه، بل نكَّــــسَــــــت رأسها أرضًا، بدأ العِــــقَــاب؛ فمال عليها وهمس بأذنها ببعض الكلمات جعلت وجهها شاحبًا مبيضًا، حدثها باستـــحــــقار واستـــخــفاف حين وبتــــهديــــد ووعــــــيد حينًا أخر، أُهْدِرَت كــــــــرامتها أرضًا، آخر ما احتفظت به، وقف أمامها بكامل وقاره وهيبته، تحدَّث بثباتٍ وقوةٍ:

– الأسبوع اللي فات وريتك مجموعة الفساتين اللي عجبتني عشان الحفلة، كان المفروض تختاري واحد منهم، وأنتِ بدل ما تشكريني على تعبي رفضتي.
– كانوا مكشوفين قوي، طيب والحجاب! ما كانش قصدي اعترض والله!
– افتكر يومها وضحت إن كل ده هيتغطى بقماش لون الجسم يعني مفيش مشكلة، ما تعرفيش إن طاعتي واجبة عليكِ، وإنِّك لازم تقولي لي حاضر وبس.
– بالتقفيل شكلهم هيكون وحش، في فساتين تانية مناسبة أكتر مع الحجاب زي اللي جبناهم قبل كده.

– مصممة تزودي عقـــــــــــابك بالجـــدال، دي أحدث مجموعة نزلت، أنا متحمل تفكيرك، عشان عارف إنك بتحبيني، كنتِ بتحترمي رأيي دايمًا، بس واضح إن احترامك ليا قل.
– لا والله! أنا آسفة، مش قصدي، خلاص اختار اللي يعجبك موافقة يا حبيبي.
– وأنتِ هنا ما تقوليش حبيبي، ولا تنادي باسمي، هنا حساب وبس، المشكلة مش في اختيار الفستان؛ دي حاجات تافهة، لكن المشكلة قلة الاحترام والجدال، والإصرار على الغلط لازم يكون في رادع لكل ده.
تهدجت أنفاسها بدأًت في الدُّخول بنــــــوبة بكاء، هو يضخم ويهول ما حدث، ولن تقوى على مراجعته؛

فقررت الصَّمت وتحمل ما سيفعله، لن يكون أكثر إحراجًا مما هي فيه، هكذا ترجم عقلها وما اختارته بإرادتها المسلوبة، عاملها كطفلة ارتكبت حماقة تارة، وكبائعة هوى، بل أسوأهن تارة، أذَّتْ كلماته وأفعاله مشاعرها وألهَــــــــــبتها، فجَّرت عَبَرَاتها أنهارًا، صوته يعلو زاجرًا ثم يصبح فحيحًا يُســــمِّم سمعها، ودَّت الهـــــرب منه ومن المكان شعرت بحاجتها الماسَّة للبكاء على صَدْرِ والدتها، والتَّحصن بذراعي والدها.
لعب على أوتارها وعزف نشازًا، جعلها تترجاه لوقف ما يفعله بها مرارًا، وبعدما تأكد من إنَّها باتت كقطعة صلصال بين أصابعه يشكلها كيفما شاء، عاد زوجًا حنونًا مراعيًا، ضمها بحنان؛ فانهـــــــارت باكية، تركها تفرغ قهـــــــرها، ثم شدد من ضمها ولامها؛

لتسببها في تلك التعاسة لنفسها.

باتت تخشاه، تشعر بالصِّغر أمامه، تجتهد لتنول رضاه، تبكي ذُعــــــرًا إن لم يبتسم لها، تهـــــــاب المرور أمام الغرفة المشــــــؤومة، ويوم الحفل ارتدت ما أبتاعه لها، وقفت تطالع نفسها في المرآة، خجلت مِن نفسها، نظرت للحجاب أعلى رأسها بخزي، ما كانت تشعر بالحراج منه سابقَا، باتت تراه أرقى مِن أنْ تـــدنـ.ــــسه بارتدائه، خلعته إكرامًا له وإعزازًا، خلعت آخر ما تمسكت به مِن مبادئ، أكملت زينتها وصففت شعرها، ثُمَّ نظرت بالمرآة فرأت مســـــخًا بشـــــعًا يُشبهها، يحمل ملامحها، لكنَّه لأخرى أقرب لفتاةِ ليل فاشلة أو غانــــيَة، أو ربَّما أَمَة ذليـــــــلة، قطع سيل أفكارها دخول حليم يتعجلها، فرَسمت بسمة مغتـــــــصبة بوجهه؛

لا تريد الدُّخول إلى تلك الغرفة مجددًا، يكفي مرة واحدة بالعمر، اتسعت ابتسامته وأنير وجهه، طلتها الجديدة أطربته:
– أيه الجمال ده! قمر يا سِرِي، أنا واثق إن كل شغلي هيخلص النَّهاردة أفضل مما أتمنى، بصي بما إنك عملتي طلة جديدة فهنعمل تغيير ببرنامج الحفلة، مفيش رقص النَّهاردة، طول الوقت تكوني جنبي، تجاملي كل اللي أقف معهم، بسمتك ما تغبش عن وشك يا سِرِي.
مال على أذنها هامسًا:
– كنتِ هتدخلي الأوضة التانية النهاردة عشان أصفى لك نهائي، لكن لو الحفلة انتهت زي ما أنا عايز وشغلي كله تم على هوايا، نلغي الأوضة وتاخدي مكافأة حلوة كمان.

زُلْزِلَت مع كلماته، فَطنت للمعنى المُبَطن بها، لن تسمح لنفسها بدخول تلك الغرفة، ستفعل أي شيء في سبيل النَّجاة منها.

رافقته كما رغب، جاملت وتصنَّعت، داهـــنت وتملَّقت، بل لاطَــــفت في بعض الأحيان، فعلت كل ما تخيلت إنَّه يرغــــــبه، انتهى الحفل كما أراد، سعد بفعلها وحلَّق بالسَّحاب، عكسها تمامًا شعرت أنها أصبحت بالحضـــــيض، رافقها إلى فراشهما ككل مرة، التهمها، سقاها الحب عنوة، بالسَّابق كانت تنتـــــشي وتحلق معه بسماء الحب، أمَّا هذه المرة فشعرت أنَّها جارية أَمَة ذليــــــلة بسوق النِّخـــاسة ولا ثمن لها، شعرت بالغثيان بعدما انتهى، ظل يُسمعها أحلى الكلمات ويطربها بعبارات الغزل، كانت أسوأ ليلة لها على الإطلاق، شعرت بالوحدة والدُّونــــيَّة، شعرت بالضَّياع.

تغيَّرت وتبدلت، لم تحاول إخفاء حالتها؛ فلم تظُنُّ إنَّه يهتم، وما لم تدركه إنَّه يكترث بكل ما يصُب لمصلحته، وهي تميمة الحظ له، هي وهج يجذب الطَّامعين؛ فيبذلون أموالهم أو صفقاتهم ليلتمسوا ضياءه، وهو يَجْمَع ما يبذلونه ويستحوذ عليه، فإذا انطفأ بريقها قل حظه أو تلاشى، طالعها بأعين قاتمة أخفاها عن ناظريها، مصطنعًا الحب والودِّ، يفكر ويخطط ليعيد أسرها، يُحكِم قيدِها ويثقله بالأغْـــــــــلَالِ.

حفلات كُثر دون سبب، كهذا حياتها معه لمدة أوشكت على اكتمال سنة، أقيم حفل جديد تُحيِيه هي كأي راقصة، تتقبل سهــــــام النَّظرات لمفَاتــــِنها باشمئــــــزاز وسَخـــَط، انهت فقرتها، طافت معه على مَنْ أراد، وزَّعت البسمات والنَّظرات، ثم هامت بعيدًا عن الجميع؛ تلتمس رقعة فارغة مِن زيفهم وقذَارَتهم التي طالتها ودنَسَـــــتها، شردت تُفكِّر فيما تمنته يومًا وسعت إليه والآن تحْتَـــــــرق به، انتبهت من شرودها -الَّذي طال- مُنتـــــفضة حينما شعرت بأحدهم يتطلع إليها بتدقيقٍ، وقفت مِنْ جلستها، نظرت بتعجبِ مُنْدَهِش، فتلك السَّيدة ترشقها دومًا بنظراتٍ كارهة، لكنها اليوم ترمقها بطريقةٍ غريبة، ربما بها لمحة شفقة سرعان ما تحولت لأُخرى نافِــــرة، أخبرتها أنَّ حليم يريدها؛

فعادت معها سريعًا، ولم يخفى عليها نظراته الغــاضِـــبة، نظرت لمن يرافقه وأدركت أنَّها على وشك إفــســاد إحدى عقوده بغيابها؛ فقامت بدورها لإصلاح ما كادت أن تفـــــسده؛ تنجو بنفسها من تلك الغُرفة التي تُسلبها روحها وتزيد من تدنيــــــسها.

بحفل فرارها، بعدما ارتدت الثَّوب الذي ابتاعه حليم لها، وقفت أمام مرآتها مفْــجــُوعة، أصبحت بالفعل غَانِيـــَة، فثوبها بالكاد يستر مفاتِـــــنها، جَفَّت بحور دمعـــاتها ونضـــبت، كالأموات أصبحت، كاد أن يذهب عقلها، فمع كل حركة ينكشف ما وجب ستره، خجلت من مرآتها، بل مِن أثاث الغرفة ومن ثوبها.
فُتح باب الغرفة وهي على حالتها، وبرد فعل مُتَأخِر التفت لمن دلف، وجدته أمامها يعلو وجهه نظرة مُبهمة، تشعر أنَّها رأت الشمـــــاتة سابحة بها، نظرة تَعِي تمامًا جم صدمتها، بل فجْـــــعتها مما أحضره لها، رافقته إحدى مُصَفِّفات الشَّعر لتُنْهي تزينها، لم ينسَ أو يغفل عن تهــــديدها؛ فمال على أذنها وبفحيح ووعيد تحدث هامسًا:

– لو مش عايزة عقــــابك يكون قدام كل اللي تحت، واللي هينبسطوا جدًا بمشاهدتهم، تسيبيها تخلص شغلها عشان ننزل، وقبل ما تقولي حرف واحد، لو شوفت لمحة اعتـــراض، الشو اللي هيتم عقلك استحالة يتوقعه.
قال ثُمَّ انطلق مغادرًا بعدما أمر الأخرى ببدء عملها، لم تفِق سرمد من صــــــدمتها بعد، لحظات لا تدرك عددها مرت، ثُمَّ انتبهت على يده تجذبها بغلظة، رفعت عينها مِن قبضته لوجهه؛ فوجدت نظرات قاتمة مُظلمة، تجسَّد أمامها كشيــــــــطانٍ رجــــــــيم، بل مارد مخـــــيف، سرت رجــــفة زلــــــزلت كيانها، استــسلَــــمت له، امتزجت فجْــــعتها مع ذُعْـــرَها وتحولا لشيءٍ مخـــــيفٍ لا مسمى له.

نهـــــشـــتها العيون بجرأة وتبـــجــح، وجدت الأيادي تتجَاذَبها يمينًا ويسارًا، تشعر بلمساتٍ مُقــزِّزَة، غُشِيَت أعينها، لا تعلم ما حجب رؤيتها، أغلالة مِن الدُّموع؟ أم سحابة تجذبها لتفقدها وعيها؟! كل ما تعلمه إنَّه لم يحدث كلاهما، فلا دمعت عينها ولا فقدت وعيها، أسقط العقل كل ما حدث، لم تشعر سوى بنفسها تحتمي بشجرة داخل حديقة الفيلا، لهَـــــثت أنفاسها كأنَّها بسباقٍ طويلٍ، ثُمَّ وجدتها تقف أمامها، الشَّفقة بادية جلية بوجههِا، نفس السَّيدة التي تماثلها بالعمر، حدثتها بصراحة مُطلقة:

– في الأول كنت بحْــقِد عليكِ، قدرتي تلفتِ نظر حليم بسرعة، وبدل ما ينصب فَــخه ويغمسكِ في الوحل، بقيتِ زوجته، جميلة ومحجبة، كنت بحسدك، دخلتي عالم حليم وحافظتي على طهارتك، لحد الحفلة اللي خلعتِ فيها حجابك، ساعتها عرفت أنْ شر حليم أكبر من توقعاتي، أنا بنصحك لأول وآخر مرة، أنقذي نفسك من حليم، ابعدي من هنا، هو بيدور عليكِ.
انهت كلماتها وغادرت، كأنَّها لم تكن، زاد تشوش سرمد، لا تعلم، هل ما حدث الآن حقيقة؟ أم يسرد عقلها تخيلات من قبح ما حدث؟ ساقتها قدماها لخارج الفيلا مهرولة، لا تعلم أين تذهب؟

ســـــخر منها عقلها وانتقدها، من سواها سيحتويها ويضمد جراحها؟ والدتها، ومَن غيرها مِن البشر سيعفو عنها ويغفر لها دنـــــــاءة أفعالها؟! انتبهت على صوتِ محرك سيارة، بالبداية دبَّ الرُّعــــب بقلبها، إن كان حليم فهي القاضية، شعرت ببعض الرَّاحة حين وجدتها سيارة أجرة؛ فوقفت تلوِّح لها، ذكَّرها العقل بفــــظــاعة ما ترتدي، تهدجت أنفاسها واندفع سيل دموعها، راحت تلوِّح بذراعيها وتترجى السَّائق أن ينقذها، أُنِير بصيص أمل حين توقف، طالعته بريبة ولكن حين أبصرته شعرت ببعض الرَّاحة لا تعلم سببها، استغفر السَّائق، كاد يتركها؛

فترجته أن ينقذها ولا يتركها لمَن يحاولوا اللِّحاق بها، وضع تخيلاته، توقع إرغامها لارتداء تلك الثِّياب الفاضِـــــحة، خصوصًا بعدما أملته العنوان الذي ترغب الذِّهاب إليه، مكان بسيط مقارنة بالذي وجدها به.

عادت من ذكرياتها أو كبوسها الواقعي، تتذكر صـــــــدمتها لموت والدتها، آخر طوق نجاة لها، وبَّخها عقلها ناهرًا، ذكَّرها بعمها وفايز، هما بالفعل سندًا لها، وإلَّا كانت الآن بين براثـــــن حليم يُقَــــطِّع جيـــــدها، فُتح الباب برفق، راقبت حتَّى وضح من خلفه، فوجدته عمَّها، وقفت أمام الفراش مُنتَــــفِضة خائـــفة، حدثها بنبرة حازمة، تحمل بطياتها الحنان والاحتواء، نبرة مطمئنة:
– بالرَّغم مِن كل اللي حصل منك إلَّا إنِّك هتفضلي بنت أخويا، يعني بنتي وعرضي، لو غلطتي أفهمك، ولو صممتِ على الغلط أقوِّمك، لكن لا يمكن أرميكِ في النَّــار يا سرمد.

تهـــدجت أنفاسها بكَــــت خجلًا وعرفانًا، فتح ذراعيه مرحبًا؛ فألقت نفسها بين ذراعيه تلتمس الأمان، أخرجت كل أوجاع وسقم روحها العليلة، ولأول مرة البكاء يريح قلبها، ومِنْ خَلف الباب وعلى بُعد خطوات بسيطة يقف فايز، يعلو وجهَه بسمةٌ راضيةُ، يتمنى زوال تلك الغمَّة واستقرار ابنة عمه.

أيام مرت وانقضت، تمت مفوضات بين العم وحليم، انتهت باسترداد سرمد حريتها المُطْلَقَة مع ضمانٍ بعدم إمكانيته لردها لعصمته، ومِن بعد شهر واحد من الطَّلاقِ، انتشر على مواقع التَّواصل الاجتماعي خبر اختفاء إحدى سيدات المجتمع، حين رأت سرمد صورتها انسابت دموعها وألمــــــها قلبها، رأى فايز حالتها فسألها باهتمام:
– مالك يا سرمد؟
– هي يا فايز، هي.
– هي، مين؟
– هي اللي شجعتني أهـــــرب، هي اللي خلتني امشي من هناك تفتكر عملوا لها ايه؟ انا السبب! أنا السبب!
– كل واحد بيدفع ثمن أخطاءه يا سرمد، ما تلوميش نفسك، ممكن تكون هـــربت أو بتحاول ادعي لها.

مرَّت شهور العدة تنفست سرمد الصُّعداء، تحسَّنت علاقتها بعمِّها، حاولت شغل نفسها والبحث عن عمل، حاول فايز التَّقرب والتودد لها، لاحظت، بل تمنت، ولكن صوت بأعماقها يخبرها أنَّه يستحق الأفضل، يكفي أنَّه ساندها، كان حنونًا محتويًا حتَّى من قبل أن يرؤف بها عمَّها، وبيومٍ وقفا أعلى البناية -على سطحها- يسقيان الزَّرع معًا، لاحظت تقرُّبه لها وتلميحه الذّي لا يترك مناسبة إلَّا وتحدَّث به، استنشقت شهيقًا عميقًا ثم تحدثت:
– فايز، أنا فاهمة قصدك، لكن صدقني صعب.
– ليه يا سرمد؟ شايفاني قليل!

– شايفاك كتير قوي عليَّا، أنتَ أحسن منِّي بكتير، تستاهل واحدة ما دخلتش دنيا، واحدة بكامل طهارتها، بكامل حيائها، مش أنا، كان نفسي! لكن أنا اللي عملت في نفسي كدة!
– طهارتك وحياؤك جوة قلبك يا سرمد، وكلامك ده معناه إنك عرفتي غلطك، مش هقول بحبك من زمان، لكن هقول كل ما كنت أتقدم لواحدة أدور فيها عليكِ، عنادك تفكيرك حتَّى طلتك، ما كنتش عارف السبب، لمَّا تأكدت أنك تعبانة مع جوزك أتجننت، ولمَّا جه هنا وجاهِر بأفعاله بدون خشى، كان نفسي أقـــــتله، لكن صبرت وسكت عشان تنولي حريتك.
– عمَّي مش هيرضى وعنده حق.

– عارفة، زمان وقت الغزوات كانت زوجات الشُّهداء تُخْطَب وتتزوج بعد انتهاء العِدة، بغرض السَّتر، وأنتِ بنت عمي، ومحتاجة حد يحتويكِ، هكون حماية وسند، قلب ووطن.
– زمن السَّماحة انتهى، دلوقت المطلقات عار مهما كان سبب الطَّلاق، تفكيري القديم هيفضل يدنـــــسني طول العمر، عمِّي هيرجع ينبـــــذني من جديد، هضيع يا فايز المرة دي للنهاية.

كاد فايز أن يعارض قولها، لولا استماعهما لصوتٍ حنونٍ من خلفهما:
– دي كانت وصية أخويا قبل ما يمــــــوت يا سرمد، وجت على هوى ابني، استحالة انبـــــذك يا بنتي، أنت حتة من أخويا يعني جزء مني، زيِّك زي فايز، والسَّماحة لسه موجودة، صحيح أصبحت عُمْلة نادرة لكن موجودة، قدامكم أسبوع، كل واحد فيكم يتأكد من رغبــــــته أو يتراجع، ولو لسه موافقين، نتمم الجواز ونعمل لكم فرح بسيط وسط الأهل والأقارب.
– ما نؤكِّد موافقتنا دلوقت يا والدي، ما حضرتك عارف عليها العين من زمان.
– مش يمكن هي ترجع في كلامها، قلت بعد أسبوع، صح يا عروسة.

أحمر وجهها حرجًا؛ فأخفضت بصرها، شعرت بالسَّعادة الحقيقة ممتنة لعمها وفايز، تدعو الله أن يديم عليهم نعمه، وألَّا يُعيدها لجفاء القلب ورعُـــــونة الماضي، تشعر أنَّها ترى الآن فقط بريق البَهجة والسَّعادة الحقيقي.
تمت .
بقلم/ سلوى فاضل (سولي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى