حطّت الظرف في شنطتها بسرعة، وخرجت من الأوضة وهي بتحاول تهدي نفسها.
لكن وهي بتقفل باب الشقة، لمحت من العين السحرية واحد لابس جاكيت أسود واقف قصاد الباب، وشه مش باين. قلبها وقع. رجعت خطوة لورا، ورن جرس الباب.
رنّة… رنّتين… وبعدين خبط خفيف، كأنه بيجسّ النبض.
هند اتراجعت أكتر، راحت ناحية البلكونة تدور على أي طريق للهروب.
لكن لما بصّت لتحت، شافت عربية سودا واقفة تحت البيت من بدري… نفس العربية اللي كانت شايفاها عند الكافيه!
الشك اتأكد.
فيه حد بيتعقبها. مسكت موبايلها تتصل بأي حد…
بس الموبايل فصل شحن. في اللحظة دي، سمعت صوت حاجة بتتفتح على الباب.
الصوت كان واضح… حد بيحاول يفتح بالمفتاح!
صرخت وهي بتجري ناحية المطبخ، خدت سكيــ,,ـنة صغيرة، وقلبها بيخبط في ضلوعها.
دقايق مرت كأنها ساعات، والباب اتفتح ببطء… وظهر راجل غريب، ملامحه مش واضحة في النور الخافت، عينه بتلمع، ووشه مش مألوف.
قال بهدوء مرعب: “معلش يا مدام هند… بس في حاجات تخص المرحوم سليم لازم ترجع لينا.”
هند مسكت السكيــ,,ـنة بقوة، وقالت بصوت متقطع: “سليم… مش مــ,,ـات.”
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
“هو قالك كده بنفسه؟ يبقى خلاص… فات الأوان.” في اللحظة دي، الكهربا قطعت…
والشقة غرقت في ظلام تام ي — الظلــ,,ـمة كانت خانقة… كل حاجة ساكتة إلا صوت أنفاسها المتقطعة.
السكيــ,,ـنة في إيدها، والموبايل فصل… مفيش غيرها وربنا. سمعت خطوات تقيلة بتقرب منها ببطء.
صوت رجله على السيراميك كان بيفضح كل خطوة، كأنه بيتعمد يخوفها.
هي خدت نفسها بهدوء، وبدأت تتحرك ناحيه الشباك الخلفي اللي بيفتح على السطح الصغير.
بصت وراها… مفيش غير ظل طويل بيتحرك في الممر.
فتحت الشباك بحذر، طلعت برجليها واحدة واحدة، ولسه بتقف على السطح…
سمعت صوته من وراها: “فاكرة تقدرِي تهربي يا هند؟” جريت بكل قوتها على سطح العمارة، المطر كان نازل خفيف، والدنيا ضلمة خالص.
كان فيه عمارة تانية قريبة، بينهما فجوة صغيرة.
جمعت شجاعتها وقفزت.
وقعت على الأرض التانية، ركبتها اتعورت بس ما وقفتش.
فضلت تجري لحد ما وصلت للسلم الخلفي، ونزلت بسرعة… في الشارع، لقت الدنيا فاضية، بس العربية السودة لسه هناك.
قلبها وقع تاني، بس ما كانش فيه وقت للتفكير.
جرت في الاتجاه العكسي، دخلت في أول زقاق ضيق، قلبها بيدق كأنه هيك.سر صدرها.
وفجأة، حد مسكها من دراعها وسحبها لجوه باب جانبي خشب.
صرخت، لكن إيده غطت بوقها وقال بصوت واطي جدًا: “هششش! لو خرجتي دلوقتي هيمسكوكي. أنا جاي أساعدك.” اتجمدت مكافئة، وبصت له…
وشه باين شوية في النور الخافت… ملامحه مألوفة جدًا. “إنت… إنت مين؟”
“أنا أدهم… كنت صاحب سليم. واللي بيطاردك دول… مش غرباء. دول نفس الناس اللي خلوه يختفي.” تمام
دلوقتي بقى نخش على الجزء اللى فيه السر الكبير اللى كان سليم مخبيه — واللى هيغير كل حاجة
— هند كانت واقفة قدام أدهم، عينها مليانة خوف وفضول.
وشه كان باين عليه التعب، وصوته واطي كأنه خايف إن حد يسمع.
قالها: “اسمعيني كويس يا هند… كل اللي هقولك عليه محدش المفروض يعرفه.” جلست على الكرسي الخشبي القديم جوه الغرفة الصغيرة، والمطر برا زاد.
أدهم طلع من جيبه ورقة قديمة متنية بعناية، وقال: “سليم كان شغال مع شركة كبيرة اسمها (كوميتا)، بس الشركة دي كانت واجهة لعمليات تهريب أث.ار.” هند اتسعت عينيها: “آث.ار؟!”
“أيوه، وكانوا بيستغلوا شغله في الترميم عشان يطلعوا القطع الأصلية ويبدلوها بنسخ.”
أدهم كمل وهو بيبص في الأرض: “سليم لما عرف، قرر يفضحهم. صور كل حاجة… العقود، النقلات، حتى الاجتماعات. بس قبل ما يقدر يسلم الدليل، عرفوا.”
“يعني… اللي حصل له مش حــ,,ـادث؟”
“لأ، كانوا ناويين يــ,,ـوه. لكنه اختفى بنفسه قبلهم بخطوة. أنا بس اللي كنت أعرف مكانه، لحد ما… بعتلك المكالمة دي.” هند دموعها نزلت وهي بتهمس: “يعني هو… عايش؟”
أدهم بصلها وقال بحذر:
“كان… لحد من أسبوع.”
اتجمدت مكانها.
“من أسبوع؟! يعني إيه؟!”
“فيه حد خاننا يا هند… وسليم اتاخد.”
السكوت اللي جه بعد كده كان مرعب.
صوت المطر برا بقى أعلى، كأنه بيخفي الصدمة اللي وقعت على وشها.
أدهم قرب منها وقال: “الظرف اللي عندك فيه آخر دليل هو خبّاه. لو وصل للي ورا الشركة، حياتك هتكون في خطر زيه بالضبط.” وقبل ما ترد، سمعوا صوت محرك عربية بيقف برة المكان…
وبعدين خبطة قوية على الباب. “افتح يا أدهم… إحنا عارفين إنها معاك!” — — الخبطة على الباب كانت بتزيد عنــ,,ـف كل ثانية،
وصوت الرجالة برة واضح:
“أدهم! لو ما فتحتش دلوقتي، هنك.سر الباب!” هند بصت له بخوف، بس المرة دي في عينيها كان في إصرار. “اسمعني يا أدهم… المرة دي أنا اللي هخرجنا من هنا.” خدت نفس عميق، بصت حوالين المكان بسرعة،
ولقت شباك صغير من ناحية الحمام بيطلع على زقاق ضيق ووراها سور مباني نصها مهجور.
أدهم قالها: “ده ضيق جدًا، ماينفعش نعدي منه!”
“هيعدي، لو عندك سبب كفاية للنجاة.” فتحت الشباك بالعافية، سحبت الشنطة اللي فيها الظرف، وخرجت قبله.
هي كانت صغيرة الجسم، قدرت تزحف وتطلع، لكن أدهم لسه بيتعافر.
صوت ك.سر الباب جوا بدأ يسمع…
صرختله:
“يلا بسرعة قبل ما يوصلوا!” طلعت وهو وراها، نزلوا على جنب المبنى، ورجالة غريبة خرجت وبتنور كشافات حواليهم.
جروا في الزقاق، المطر مغرقهم، والهوا بيخنق النفس. في آخر الشارع، لقت عربية قديمة مفتوحة ومفتاحها في الكونتاكت.
ركبت بسرعة، وأدهم لسه مش مستوعب. “هند، إنتِ بتعرفي تسوقي؟!”
“كنت باخد دروس من ورا أبويا… دلوقتي وقتها!” دارت العربية، وانطلقت بيها بسرعة، والعربيات وراهم بتجري وراهم.
رصاص اتضــ,,ـرب، صوت الكاوتشات في المطر، والدنيا كلها بقت مشهد مطاردة. في لحظة جنون، لفت بسرعة ناحية طريق ترابي بيؤدي لمنطقة جبلية.
“لو دخلنا هنا، مش هيعرفوا يلحقونا.”
أدهم قال وهو بيحاول يمسك في الباب المفتوح:
“هند… إنتي مجنونة!”
“ممكن… بس سليم استناني أكمّل اللي بدأه!” العربية دخلت الطريق الجبلي والأنوار اختفت وراهم.
بس في المراية الخلفية، لمحت ضوءين بعيد… “مش خلصنا منهم… لسه وراهم سر تاني ما كشفوش.”
— العربية كانت بتتشقلب تقريبًا على الطريق الجبلي الضيق، والمطر مغرق الدنيا، بس هند مصمّمة.
الطريق أخدهم لمكان شبه مهجور، فيه مغارة صغيرة وسط الجبل.
أدهم بصّ وقال:
“استني… دي كانت واحدة من الأماكن اللي كنا بنخبّي فيها الوثائق زمان.” وقفت العربية، ونزلوا بسرعة.
دخلوا المغارة والنور الخافت من الموبايل كان بيكشف جدران حجرية منقوشة.
في الركن، كان فيه صندوق خشب قديم عليه قفل صدئ.
أدهم بصّ لهند وقال: “ده بتاع سليم… أنا متأكد.” هند فتحت الشنطة، طلعت منها الظرف البني اللي سليم قال عليه.
اتبادلت النظرات بينهم، وبهدوء حطّت الظرف فوق الصندوق.
القفل اتفتح لوحده — كأنه مستني اللحظة دي. جوه الصندوق، لقت قرص معدني صغير ودفتر بخط إيد سليم.
أدهم بدأ يقلب في الدفتر، والهوا ساكت تمامًا.
قرأ بصوت مرتعش:
“لو وصلتوا هنا، يبقى اللعبة خلصت. الدليل على كل حاجة في القرص ده… بس متخلوش حد يستخدمه للانتقام. الحقيقة لازم تطلع، مش الدم.” هند دموعها نزلت وهي بتلمس الورق بإيدها. “كان عايش عشان يوصلنا لده.” فجأة، سمعوا صوت من برّا المغارة…
عربية وقفت، وأصوات خطوات بتقرب.
أدهم أخد القرص بسرعة وقال: “يلا نمشي!”
لكن هند وقفته وقالت:
“لأ… المرة دي مش هنهرب. هنواجه ونخلّي الكل يعرف الحقيقة.” طلعت برا المغارة، والهواء البارد لافف شعرها، المطر نازل، والعربيات حواليهم.
صوت راجل من بعيد قال:
“سلّمي اللي معاك يا هند!”
رفعت راسها وقالت بقوة لأول مرة:
“اللي معايا مش بتاعكم… دي أمانة سليم، وهتوصل للنور مهما عملتوا.” اتقدمت خطوة، والنور ضــ,,ـرب وشها، والظلام وراها ابتلع أدهم وهو بيخفي القرص في هدومه.
الرصاص بدأ يتطلق، بس آخر مشهد شافوه كان هند واقفة بشجاعة…
وصوت سليم بييجي في الخلفية، كأنه بيردد من بعيد: “أنا واثق فيكي يا هند…” وانطفى المشهد على صوت المطر،
وبكده انتهت قصة “آخر مكالمة” —
نهاية مفتوحة… فيها انتصار، فيها فقد،
وفيها وعد إن الحقيقة عمرها ما بتمــ,,ـوت.
—

