بعد جنازة والدها

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

كانت الرياح تعصف في الخارج بينما جلست لورا على أريكتها الجلدية البيضاء. المطر يض*رب النوافذ بقسوة كأنه يريد أن يقتحم البيت ويغسل ما ارتكبته يداها. بدلت ثيابها المبللة ولفت حول كتفيها بطانية رمادية لكن البرد لم يكن في الجو بل في ص*درها. على الطاولة أمامها كوب نبيذ لم تلمسه يترنح مع كل هبة ريح وصوت التلفاز المنخفض يملأ الصمت بحديث عن ح*ادثة مأساوية في نهر التماسيح. المذيع يذكر اسم زوجها واللقطة التالية تظهر رجال الإنقاذ يبحثون في المياه العكرة. ارتجف وجهها وهي ترى المشهد لكنها لم تبك. انعكس وجهها على شاشة التلفاز بملامح جامدة لا دمعة ولا رعشة فقط انتظار.

كانت تعلم أن مهمتها انتهت وأن بضع ساعات فقط تفصلها عن بداية حياة جديدة بأموال التأمين التي خططت لها طويلا. تنهدت ببطء ثم نهضت لتطفئ الضوء لكن حين سمعت صوت مفاتيح الباب تدور من الخارج تجمد كل شيء فيها. كان صوتا تعرفه جيدا صوت لم تكن تتوقع أن تسمعه مرة أخرى مهما حييت. التفتت ببطء نحو المدخل وعيناها اتسعتا حتى كادت تصرخ. الباب انفتح والهواء البارد دخل مع المطر وفي العتمة ظهر جسد رجل مبلل حتى العظم. كان مارك واقفا هناك وجهه شاحب وملابسه ممزقة عند الكتف وفي عينيه مزيج من الأ.لم والغض*ب.

لحظة
من الصمت امتدت كأنها دهر ثم قال بصوت هادئ لكنه كالسيف كنت فاكرة إن التماسيح خلصوا علي مش كده يا لورا تراجعت خطوة للخلف وصوت الكوب انك.سر تحت قدميها. حاولت أن تبتلع ريقها لكن الكلما*ت خرجت متقطعة م… مارك إزاي! إزاي خرجت! وقبل أن تتابع تقدم رجلان من خلفه شرطيان بملابس مبللة أيضا. أحدهما قال بصوت حازم السيدة لورا بنسون أنت متهمة بالشروع في والاحتيال على شركة التأمين. كأن الأرض اختفت تحت قدميها. انزلقت إلى الأرض ويديها ترتعشان. حاولت الصراخ لكن صوتها اختنق.

الدموع التي لم تنزل عند النهر سالت الآن لكنها لم تكن دموع ندم بل دموع صدمة من أن خطتها المحكمة انهارت في أول اختبار. كانت تتخيل نفسها في بلد آخر بثروة جديدة واسم جديد لكن ها هي مكبلة أمام عيني الرجل الذي ظنت أنها تخلصت منه إلى الأبد. بينما كان الشرطيان يقودانها إلى الخارج توقفت لحظة أمام مارك وقالت بصوت مبحوح كنت أحبك صدقني يا مارك ما كنت أريد إيذاءك فقط أردت أن أعيش! نظر إليها نظرة طويلة نظرة من خسر كل شيء إلا كرامته وقال بهدوء موجع الحب الحقيقي يا لورا لا يباع ببوليصة تأمين.

خرجت من البيت والمطر ما زال يهطل كأنه يغسل الشوارع من خطاياها. في اليوم التالي كانت الصحف تمتلئ بالعناوين
الصادمة امرأة تحاول زوجها من أجل التأمين والزوج يعود حيا مع الشرطة. لكن القصة لم تنته عند هذا الحد. مارك بعد أن نجا من المو*ت بأعجوبة ظل يلازمه سؤال واحد لا يفارقه كيف استطاعت أن تنظر في عينيه طوال تلك السنوات وتخفي خلف ابتسامتها هذا الشر كان يجلس في غرفته لساعات طويلة ينظر إلى صور زواجهما المعلقة على الجدار. كل ضحكة في الصورة بدت له الآن مزيفة كل ذكرى تحولت إلى ط*عنة.

خلال التحقيق اكتشف المحققون أن لورا كانت تخطط منذ شهور لتحويل أمواله إلى حسابات مجهولة وأنها كانت على اتصال برجل غامض يعمل في شركة التأمين نفسها يزودها بمعلوما*ت داخلية مقابل عمولة. لم تكن خيانتها مجرد نزوة بل مؤامرة مكتملة الأركان. في كل جلسة محكمة كانت الحقيقة تتكشف أكثر. لورا التي كانت ترتدي أفخر الثياب أصبحت تجلس خلف الزجاج في قاعة السج*ن ترتدي زيا رماديا باهتا تنظر إلى الأرض بصمت ثقيل. لم تعد تلك المرأة التي عرفها العالم بابتسامتها الساحرة. أما مارك رغم الألم فلم يكن سعيدا بانتصاره. كان يراها هناك في القفص الزجاجي فيشعر أن جزءا منه ما*ت معها.

لم يرد عليها كلمة لكنه في داخله كان يتساءل كيف يمكن للقلب أن يتحول بهذه السرعة إلى سلاح كيف تغلب الطمع على الذكريات في إحدى
الأمسيات وبينما كان المطر يعود ليغسل شوارع المدينة من جديد رن هاتف مارك. كان على الطرف الآخر صوت هادئ رسمي لكن فيه دفء غريب. قال المتحدث السيد مارك بنسون معك المحامي دانيال ريفز. آسف على الإزعاج لكن هناك قضية تتعلق بأحد عملائنا السابقين رجل الأعمال الراحل ريتشارد كارتر. يبدو أن هناك ارتباطا قانونيا غير مباشر بينه وبين شركتكم.

لم يكن مارك يعلم أن هذا الاتصال سيفتح له بابا جديدا لقصة مختلفة تماما قصة لم يتخيلها حتى في أسوأ كوابيسه. جلس بعد المكالمة صامتا يحاول أن يتذكر الاسم. ريتشارد كارتر نعم تذكره. كان أحد كبار المستثمرين الذين تعاملت معهم شركته قبل عامين. رجل ناجح هادئ متزن توفي فجأة بأزمة قلبية. لم يعلم مارك شيئا وقتها إلا خبر الوف,,اة. لكنه الآن بدأ يشعر أن وراء هذا الاتصال قصة أكبر. في اليوم التالي التقى بالمحامي دانيال في مقهى مطل على البحر. كان الرجل في منتصف الأربعينيات يرتدي بدلة أنيقة وله نظرات ثابتة توحي بالثقة. بعد تبادل التحية بدأ الحديث مباشرة.

قال دانيال وهو يقلب بعض الملفات أنا كنت المستشار القانوني للسيد ريتشارد قبل وف,,اته وكنت حاضرا أثناء كتابة وصيته الأخيرة. كل شيء كان واضحا فيها كل أمواله وممتلكاته توضع في وصاية لابنته
الوحيدة إيميل
ابنُ عاملةٍ تجمع القمامة وقف يوم تخرّجه وقال جملة واحدة جعلت الجميع يبكون
•

الخادمة الحامل التي غيرت حياة الملياردير… والسرّ الذي قلب القصر رأسًا على عقب
عروس الـ19 سنة… واللغز الذي أخفته ليلة الزفاف في قصر الشيخ طارق بن مالك
قالوا لها: دي ستّ مجنونة… بس شهادة قديمة وصورة واحدة أثبتوا إنها أمها اللي ضحّت بكل حاجة علشانها!”
اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة… كانت أمي!
حين يعود الم.يت حيًّا… وتنقلب الخيا.نة إلى عدالة السماء
دفعت زوجها إلى نهر التماسيح من أجل المال… لكن الصدمة كانت تنتظرها في البيت
كانت تراها كل يوم بعد المدرسة تناديها: (أنا أمّك!)

— لكن الحقيقة التي اكتشفتها غيّرت حياتها للأبد…
تغيرت وأنها الوريثة الشرعية.
صمت قليلا ثم أضاف
المدهش أنني وجدت اسمك مذكورا ضمن قائمة الشركات التي تعامل معها كارتر في صفقات نقل ملكية قبل وف,,اته بأشهر قليلة.
نظر إليه مارك متفاجئا
أنا لم أتعامل معه شخصيا إلا في ملف عقاري بسيط.
ابتسم دانيال وقال
أعرف لكنني لا أبحث عن الصفقات بل عن الأشخاص الذين يمكن الوثوق بهم. وصدقني بعد كل ما مررت به أعرف أنك الرجل المناسب لتفهم هذه القصة.
حينها حكى له دانيال التفاصيل.

كيف تركت الطفلة إيميلي بعد جنازة والدها تحت المطر حين طردتها مونيكا من السيارة ببرود تام وكيف صادفها دانيال صدفة في الشارع. كيف كانت ترتجف تحمل صورة والدها ولا تدري أين تذهب. وكيف اتصل وقتها بالمحكمة ليحصل على نسخة من الوصية فاكتشف أنها لم تودع رسميا بعد.
كان مارك يستمع بصمت والذكريات تتقاطع في ذهنه. المطر الخيانة الجشع كلها تتكرر في وجوه مختلفة. تمتم قائلا
يبدو أن الشر له وجه واحد يا دانيال. يتبدل الاسم فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى