تناولت الهاتف من يد الموظفة المرتبكة. بدأ صوتها أولا بالإنجليزية التقنية تلك التي لا يتقنها إلا المتخصصون.
وبعد بضع ثوان انتقلت إلى الفرنسية بسلاسة ثم لدهشة ما*تيوس المطلقة تحول صوتها إلى الماندرينية الفصحى بطلاقة مذهلة.
كاد ما*تيوس ينهض من مكانه دون أن يشعر. هل كان يسمع حقا هل كانت عاملة تنظيف تتحدث ثلاث لغات عالمية مختلفة بهذه الجودة ليس مجرد نطق بل احتراف حقيقي.
لم تمض سوى دقائق حتى أغلقت كلارا الهاتف وقد أتمت وحدها حجزا ضخما بلغت قيمته 160 ألف ريال. لكنها ما إن أنهت المكالمة حتى بدأت يداها ترتجفان بقوة وكأنها تخشى أن يدرك أحد أنها تملك هذه القدرات.
ابتسمت لوانا بفخر وقالت لها
لقد أنقذت الفندق مرة أخرى.
لكن هذه اللحظة الهادئة لم تدم. ظهر أوتافيو كعادته كأن الشيطان استدعاه خصيصا لإفس-اد الجو.
صړخ بصوت يملؤه الاحتقار
هل سيشرح لي أحدكم لماذا تتحدث عاملة التنظيف عبر الهاتف الخاص بالحجوزات المؤسسية!
ثم الټفت نحو لوانا دون أي تردد
أنت مطرودة.
وبعدها وجه نظره إلى كلارا وقال ببرود ممېت
وإن تجرأت مرة أخرى على التحدث مع نزيل أو على لمس الهاتف ستكونين التالية. تعلمي مكانك جيدا.
انخفض رأس كلارا واختفت أنفاسها خلف شعورها بالإهانة والظل*م حتى كادت الكلما*ت ټخونها.
في تلك اللحظة شعر ما*تيوس بأن شيئا داخله قد انكسر. لم يعد قادرا على الوقوف ومشاهدة الظل*م بصمت.
نهض من مكانه بخطوات ثابتة واتصل فورا بالمدير القانوني ورئيس قسم الموارد البشرية ثم طلب منهم تجهيز اجتماع عاجل مع المستثمرين. وخلال دقائق كان الجميع جالسا حول الطاولة في غرفة الاجتماعات الفاخرة. جلس أوتافيو هناك بثقة مغ-رورة غير مدرك لما ينتظره. دخل ما*تيوس بهدوء خلع نظارته ثم وقف أمام أوتافيو مباشرة وقال بصوت هادئ لكنه قاطع
أنا ما*تيوس أزيفيدو مالك هذا الفندق. وأنت مطرود پته-مة الإس-اءة المعنوية وانعدام الكفاءة وسوء الإدارة.
لم تص*در من أوتافيو كلمة واحدة. شحب وجهه وتجمدت عيناه واقتيد إلى الخارج وهو لا يجرؤ على الدفاع عن نفسه.
بعد ذلك مباشرة استدعيت كلارا إلى الغرفة. كانت ترتجف كما لو أنها تقاد إلى محكمة. لكن ما*تيوس ابتسم لها ابتسامة مطمئنة لم تتوقعها.
قال لها بصوت رقيق
كلارا أنا بصدد إنشاء منصب جديد في الفندق مديرة العلاقات الدولية. براتب قدره
—
تسعة آلاف ريال. وأريدك أن تتولي هذا المنصب فهل تقبلين
وضعت يدها على فمها لا شعوريا وامتلأت عيناها بالدموع.
قالت وهي تكاد تبكي
أنا أقبل لكن لماذا أنا
أجابها بصوت صادق
لأن موهبتك لا ينبغي أن تبقى مختبئة خلف عربة تنظيف. مكانك الحقيقي ليس في التنظيف مكانك بين القادة.
بعد ثلاثة أشهر فقط تغير كل شيء بطريقة لم تكن كلارا قادرة حتى على تخيلها. أصبحت تدخل الفندق من الباب الرئيسي لا كعاملة تنظيف بل كمديرة مسؤولة عن فريق كامل يعمل تحت إشرافها.
كانت تجلس في الاجتماعات الأسبوعية إلى جانب كبار المسؤولين تناقش خطط التطوير تقترح تعديلات وتعرض تحليلات دقيقة لحركة الضيوف الأجانب واحتياجاتهم. بدأت الوفود الأجنبية تطلبها بالاسم وأصبح وجودها في أي اجتماع دولي شرطا أساسيا لنجاحه.
كانت كلارا تستقبل الوفود بابتسامة هادئة ثم تتنقل ببراعة بين الإنجليزية والفرنسية والماندرينية وأحيانا البرتغالية الإسبانية التي كانت تتقنها أيضا فتدهش الجميع بقدرتها على شرح الأمور المعقدة بكلما*ت بسيطة وواضحة. كانت تحل المشكلات بحنكة وتعيد ترتيب الفوضى بخطوات مدروسة وتتعامل مع أصعب المواقف بثقة امرأة تعرف قيمتها جيدا.
لم تعد تلك العاملة الخجولة التي كانت تطرق رأسها خوف,,ا من ڠضب المدير السابق.
لقد أصبحت تقف مستقيمة الظهر ثابتة النظرات تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تتخذ القرار المناسب. لم يعد أحد يجرؤ على التقليل من شأنها. حتى أولئك الذين لم يتقبلوا الأمر في البداية وجدوا أنفسهم يبجلونها بعد أن رأوا نتائج عملها وانضباطها وقدرتها على قيادة الفريق دون صړاخ أو ټهديد بل بروح عالية واحترام متبادل.
وأصبح الفندق نفسه أكثر نجاحا بفضل أفكارها فارتفعت التقييما*ت الدولية وزادت الحجوزات القادمة من الشركات العالمية التي كانت تشعر الآن بالثقة لوجود شخص قادر على فهمها وتقديم ما تحتاجه بدقة واحتراف.
وفي كل مرة كانت تمر من خلال الردهة كان الموظفون ينهضون لتحيتها يبتسمون لها باحترام صادق لا خوف ولا مجاملة بل تقدير لامرأة أثبتت أن المكان لا يصنع الإنسان بل الإنسان هو الذي يجعل للمكان قيمة.
أما الضيوف فكانوا يسلمون عليها وكأنهم أمام مسؤولة دبلوماسية وتحرص الإدارة العليا على ذكر اسمها في كل تقرير نجاح أسبوعي.
حتى العاملون في أقسام التنظيف زملاؤها السابقون كانوا يشعرون بالفخر كلما رأوها ترتقي درجات السلم الإداري بثبات. كانت كلارا لا تنسى ماضيها بل كانت تكرمه تتوقف لتسألهم عن احتياجاتهم تحسن ظروف عملهم وتدافع عن حقوقهم في كل اجتماع. أصبحت صوتا لهم بعدما كانت صامتة لأجلهم.
وكل هذا كل هذا التحول العميق والمذهل بدأ في اللحظة التي قرر فيها شخص واحد فقط أن يراها حقا لا كعاملة تنظيف خلف عربة بل كإنسانة تحمل قدرات لا تقدر بثمن اللحظة التي مد فيها ما*تيوس يده ليزيل الغبار عن جوهرة كانت مخفية لسنوات.
كانت تلك اللحظة بداية
حياة جديدة بداية مسار مهني وإنساني لم تكن لتصل إليه لولا أن أحدهم آمن بها وآمنت هي بنفسها بعدها.

