-مفيهاش حاجة يا ابن كريمة، بس ياريت تريح بجد وترتاح وتريحنى معاك
انهت جملتها وهى تتأمل وجهه الذى بدا عليه الألم وكأنه يحمل هموم العالم فوق كتفيه، كان ينظر لها بحدقتين مهتزة كسائر جسده، وقلب مثقلًا بالهموم هامسًا:
-عايزة تقولى أيه ياما؟!
-أنت كنت عندها يا مدين واوعى تكدب، عارفة وشك اللى بيسود يابنى لما تكون راجع من هناك أنت ليه عايز تكس\رنى يا ضنايا
جمع شتات نفسه وهو يقول لوالدته بثبات ظاهرى:
-متقلقيش ياما كل شئ انتهى وخلاص، حتى رجلى مش هتخطى هناك تانى
كانت ابنة عمة تراقب الموقف بقلب منفطر، همست ملتاعة:
-قلبى عليكِ يا مدين والله هى اللى م\اتستاهل واحد زيك
*****
-إنتِ ايه اللى هببتيه دا؟!
رفعت “نادين” حاجبيها تشير بمدى جنون عصبيتها قبل أن تجيب أختها:
-أيه إنتِ كمان هى ناقصكى
-أمك حكتلى اللى حصل معندكيش دم خالص ازاى تكلمى ابن خالك كدا
غمغمت بتبرم وهى تقول:
-بلا ابن خال بلا وجع دماغ ما لمحت ميت مرة وقولت يبعد عنى وهو مافيش، مش عايز يحل عنى، أنا دماغى فى حتة وهو فى حتة تانية خالص
هزت اختها رأسها وهى تقول:
-دا هو اللى خسارة فيكِ دا كل بنات الحتة بيمو*توا عليه
زفرت هواء صدرها وهى تقول:
-يبقى حلال عليهم أو عليكِ، سيبك شوفتى اخر فيديو ليا على التيك توك، مش تعملى منشن لأصحابك وتظبطى
اختك أنا لو بقيت مشهورة والزهر لعب، الخير هيعم على الكل
رمقتها بإشمئزاز قائلة:
-الخير هيعم على الكل، أحب أقولك أنى بتكسف اقول أن ليا اخت بتعمل فيديوهات على التيك توك، لأن أنا وزمايلى طول النهار نسأل فين أهالى العيال دول والبلاوى اللى بنشوفها.
عقدت حاجبيها وتغاضبت ملامح وجهها قائلة بسخـ ــرية:
-خليكِ فى كليتك أنا غلطانة انى كلمتك اصلًا، دا انتِ بومة وتسدى النفس، انت فعلًا شبه لوح التلج مدين
رمقتها بخيبة أمل ثم هتفت بنبرة تحذيرية:
-يعنى مفيش فايدة، والله يا “نادين” لو مبطلتيش
الزفت دا لأقول لأمك وأقسم بالله مش هاخبى تانى
******
لم تكن حياته دربًا من السعادة، كانت ينابيع من الحزن والقهر كلما جفت عين أنفجرت الأخرى، اغمض عيناه يسترجع ذكرياته حين هجرهم والده وذهب ليتزوج من أمراة اخرى، لم يكن اهلًا لهم، كان طفلًا حينها لكنه على درجة كبيرة من النضج، فوالدته ذاقت الأمرين، كانت
الكتف الذى يحمل فوقه اطنان السفينة وتسير بها عرض
البحر كي تربيهم هو واخواته البنات، دون مساعدة من أحد على الرغم من إصرار عمه على مساعدتهم لكنها رفضت رفض تام، حتى ذلك اليوم الذى اتت فيه تلك المرأة
أمام بيتهم لتهين والدته، بسبب أن ما اخذته من والدته من ملابس كانت رديئة كما تتدعى، فوالدته كانت تبيع الملابس من منزلهم بنظام التقسيط لنساء الحى، ومنذ ذلك
اليوم اقسم ألا يكس\ر احد والدته، دفـ,ـن “مدين” الطفل وأهال فوقه اطنان من التراب وتعلم استقبال لطم\ات الحياة ولم يكمل دراسته واصر على تحمل المسئولية، وبعد فترة اخذه عمه معه للخارج أو بالأحرى تحت جناحه، ليصبح رجلًا ذا قوة وشكيمة، وكى يتمكن من مساعدة والدته، واخواته البنات، لكنه بالكاد حصل على شهادة متوسطة (الدبلوم) بعد إلحاح من عمه
ابتسم بوجع لا يعلم كيف جرفه تيار الحب فى ظل ظروفه القاســ . ــية نحو أبنة عمته، مجرد رؤيتها كانت تجعله يرمى كل شئ وراء ظهره، جذب خصلات
شعره بعنــ . ــف، ما كان عليه أن ينسى كل ما علمته الحياة له ويقع فى بحور العش/ق
كانت تقف على اعتاب الغرفة تناظره بشفقة وهو
يدور فى الغرفة كالأسد الجريح، فتحمحمت ثم ولجت للداخل دون أن تنتظر رد قائلة:
-دا عمل أسود البت دي عملت عمل ليك اسمع منى يا مدين، أنا عارفة دا شغل جلب الحبيب مافيش حل غير كدا
كلم\اتها التلقائية جعلته يستدير قائلًا بإمتعاض:
-عايزة أيه يا سنا مش ناقص وجع دماغ؟!
رمقته فى أسى ولاحظت الدموع المتكونة بعينيه لتتابع وهى تقول بمشاكسة قائلة
-صدقت بقى أنه عمل
ترك حديثها ومضى للشرفة وعينيه لا تتوقف عن الشرود وهو يزفر بعمق فتابعت:
-معلش قولى سبب واحد يخليك تحبها هى مش أنا
مدين بص عليا وأنا بكلمك
ألتفت لها وما أن نظر فى عينيها انفجرا من الضحك سويًا:
-طب وبعدين؟!
-يا سيدى بقى ما أنا قولتلك إذا احببت شخص بشدة أطلق سراحه إن عاد … أيه بقى يا عم مدين
حك مؤخرة رأسه قائلًا بابتسامة هادئة:
-إن عاد هو ملكًا لك ياسنا
هزت رأسها بالنفى قائلة:
-لأ أن عاد يبقى محدش عبره غيرك ولازم تطلق سراحه تانى يا معلم مدين فهمت
جز على أسنانه وهو يقول:
– أنا غلطان أنى بتكلم معاكِ
التو ثغرها قائلة:
-معلش هو أنت حد بيسمعلك غيرى، قصدى حد بيطيق يسمع سيرتها غيرى أنا، قول عملت أيه ومتتكسفش ياابن
عمى، قول قول
سحب عينيه بعيدًا وهو يسرد عليها ما صار معه، لكنه توقف حينما رأى جبينها المقطب من شدة ذهولها من الكلم\ات، زفر متسائلًا:
-أيه تنحتى ليه كدا؟!
-لأن يا مدين عارفين انها شايفة نفسها بس كدا وصلت لقلة الادب
هز رأسه مستنكرًا كلامها ثم اكتست مقلتيه بعبرات اليأس هامسًا:
-هى من حقها تحلم بحياتها بالطريقة اللى تريحها، وتشوف مستقبلها زى ما تحب، أنا اللى بفرض نفسى عليها
-مدين!!
امتعضت ملامحه بمرارة وهو يبتلع ريقه ليشعر كأنه يتجرع علقم الماضى، همس بإرهاق قائلًا:
-سنا أنا عايز أنام
هزت رأسها بصمت وانصرفت للخارج، نام على الفراش واضعًا معصمه على وجهه وهو يتذكر نظراتها التى أح/رقت
وتين قلبه
القسوة والتعدى على الغير ليس بالضرورة بالض*رب لكن فى بعض الأحيان تكون كلم\ات، لا ليست كلم\ات بل نا*را تلتهم كل شئ، سهام تنغرس بداخلك لتنزف كرامتك
******
بعد مرور اسبوع
جلسا فى مكانهما المعتادة فى الحرم الجامعى، وفتحت كل منهما هاتفها لتتابع هوسها بمواقع التواصل الأجتماعى ” التيك توك ”
لكزتها فاتن برفق قائلة:
-شايفة يا نودى الرجل دا ومراته عدو الفقر إزاى امته بقى احنا كمان نركب عربيات ونبقى يوتويبرز مشهورين
أوى بقى
تنهدت “نادين” وهى تقول:
-يااااه حلم بعيد، طب م\اتيجى نعمل فيديوهات طبخ الناس بتابعها اوى
رمقتها “فاتن” باستهزاء قائلة:
-طبخ؟!
طبخ أيه يا نودى هو أحنا بنعرف نعمل أكل دا احنا بنسلق البيض من غير مية ، وأمك وامى صوتهم بيجيب اخر الشارع، دا احنا لو وقعنا كوباية لبن يحرمونا من الأكل
شهر
ضحكت “نادين” وهى تقول:
-عندك حق والله، وأنا مش عايزة اعمل مشاكل مع أمى خالص الحمدلله أنها رضيت تكلمنى بعد موضوع مدين
اجابتها فاتن بحنق:
-مفترية والله حرام عليكِ مدين ميستاهلش كل دا والله ابن حلال وبيحبك ليه بس كدا
نظرت لها بنظرات نا*رية كأنها تقذف من عينيها حمم بركانية من ال\:
-هو الكل هيمدح فيه، أنا مش بطيقه قفلى على الموضوع دا
توسعت عيناها بصدمة وصرخت نظراتها بعشرات الاسئلة وهى ترى صديقتهما تقف أمامهما ومعها ذلك الشاب
فابتسمت نهى قائلة:
-عاملين أيه يابنات؟
أنا قابلت مجد طلع زميلنا فى الجامعة فاكرينه
ابتسم باتساع ثم اضاف بتوضيح أكثر:
-اسمى مجد وبصراحة شوفت الفيديوهات التيك توك
بتاعتكم وعرفت اننا فى الجامعة، فقولت نتعرف ونبقى تيم ونعمل فيديوهات
ابتسمت فاتن بترحاب قائلة:
-أهلًا يا مجد، ياريت والله فكرة حلوة وكدا الريتش يعلى ونتشهر يارب اصلى احنا شلة البو*ساء
كان يقف ثابتًا وهو يراقب ملامحها ثم شرح باستفاضة:
-لا بو*ساء دا زمان أنا عندى افكار كتير تخلينا نتشهر يعنى مثلًا أقول انى ارتبطت بواحدة منكم ونخرج كام خروجة وكام صورة وفيديوهات بقى والسند والأمان
والكلام دا وفجأة نفركش وارتبط بصحبتها
الدنيا هتولع والكل هيكون حابب يتابع حوار الخـ,ـيانة والغـ,ـدر بياكل اوى على السوشيال ميديا النميمة عمومًا
هزت “نهى” رأسها وهى تقول بحماس:
-جامدة اوى الفكرة دي، طب كدا فى واحدة فينا مش هيكون ليها دور
غمز لها بطرف عيناه وهو يقول:
-ودي تفوتنى التالتة منكم هى اللى هتكشف الخـ,ـيانة ونظبط كام اسكرين ننزلهم والدنيا تولع
نهضت “نادين” فهى لم تعد تحتمل حديثهما اكثر من ذلك فقالت:
-جرى أيه يا فاتن احنا متربيين مع بعض وعايزين نتشهر مع بعض مش على حساب بعض وسمعتنا
واحدة ترتبط والتانية تض*ربها باسكرينات دا أيه الهبل دا
أنا مش موافقة
همت بالأنصراف لكن جذبها “مجد” من معصمها قائلة:
-طب نتفاهم فى خطط كتير عندى يا نودى واللى يريحك
اعمليه
نظرت ليده التى تقبـ . ــض على معصمها ثم حدثته بحدة:
-أنت ازاى تمسك إيدى كدا، سيب إيدى وخططك خليها لنفسك أحنا مش هنعمل خطط مع حد
رد “مجد” بغيظ:
-بالراحة دي مسكت ايد هو أنا ح*ضنتك، أحنا فى مكان عام
-أنت شايف أنه عادى؟!
على العموم أحنا شايفين أننا مش هننفع نعمل فيديوهات معاك، أتفضل بقى امشى
اجابها بعناد أكثر:
-على فكرة دا رأيك انتِ لوحدك، أنا شايف البنات مرحبيين بالفكرة
ضحكت بسخـ ــرية وهى تقول:
-مافيش الكلام دا
ثم تابعت:
-فاتن ردى وانتِ كمان يا نهى
ابتلعت فاتن وهى تجيبه بإحباط:
-لا خلاص إحنا مع بعض تيم واحد
امتنعت “نهى” عن الرد وهى تحدجها بنظرات حقد لم تخفى على مجد فابتسم بمكر وهو يقول:
-طب وماله براحتكم، أيه رأيكم نصور فيديو عادى دلوقتى مع بعض، تيم يعنى
اجابته “نادين” بسرعة وهى ترمقه بشررات ال\:
-هو فى أيه ما قولنا لأ، اتفضل بقى شوف حد غيرنا
ابتسم بهدوء وهو يقول بمكر:
-خلاص انتِ عصبية أوى، أنا يعنى كنت حابب نتشهر مع بعض بس خلاص عادى على العموم بالتوفيق، يكفى
اننا اصحاب
اولاهم ظهره وانصرف بعد أن غمز لنهى بطرف عيناه فابتسمت وهى تغمز له أيضًا
****
فى المساء
كان يجلس أمام ورشته، فجأة اشتلعت دبكة الجنون بصدره، ألتمعت عيناه ببريق الشوق حينما وقفت عمته أمامه ومعها “نادين” ابنتها، كأنه مغيب وقف
يرمقها بنظرات معذبة، فالقلوب تذل اصحابها بالشوق
وتكس\رهم بالحنين، أما هى كانت تنظر أمامها وكأنها بعالم أخر، فابتلع قائلًا كى يحظى ببعض القرب:
-عاملة يا عمتى؟!
-الحمدلله يا قلب عمتك، كدا مش بتسأل عنى؟!
نظر لتلك الواقفة ثم نظر إلى عمته بإنكسار قائلًا:

