ذنوب ع طاولة الغفران ١

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 17 صفحات

حصري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثـ،ـم الأول ❤️‍🩹 بعنوان ” ليلة بكى فيها القمر ”
الحياة ماهي إلا مجموعة من الخيارات التي من شأنها أن تُغرقنا في سَفح الهاوية ،أو تُنجينا من أهوال يشيب لها الوجدان، ولكن ماذا لو كانت جميع الخيارات تصُب في غوط جهنم؟ فيجد الإنسان نفسه حائرًا بين ألم لا يبرح و \ لا يهدأ. هذا الصراع المُضنِي يقود العقل إلى مُنعطف خطر تحمل جدرانه طلاسم المُعاناة و نقوش الوجع الذي يتفاقم بكل خطوة نخطوها في ذلك الطريق الذي و بكل أسف كان بمحض إرادتنا.
نورهان العشري ✍️
_ ادخلي يا عروسة برجلك اليمين.
هكذا تحدثت «عنايات» ،وهي تنظر إلى تلك العروس التي كانت ترتعب كورقة في مهب الريح تناظرها بأعيُن يفترش الحزن مآقيها ،ولكن يأبى خوفها ذرفه، فحدجتها المرأة بنظرات دسيسة قبل أن تلتفت إلى النساء من خلفها ؛لتقول بنبرة حادة :
_ ما تزغرطي ياختي أنتِ وهي مش فرحانين لابن سلفكوا الكبير ولا ايه ؟
أجابتها أحد النسوة بلهفة:
_ عنينا ياختي هنزغرط هو انا احنا عندنا اغلى منه؟!

انطلقت الزغاريد من بين أفواه النساء المُكرهة لتلتفت «عنايات» إلى هذا الجمع الذي يقف أمام عتبة منزلها الكبير و هتفت بسماجة:
_ لحد هنا و خلاص يا غوالي. وصلتوا الأمانة كتر خيركوا. دوركوا انتهى لحد كدا. يالا بقى عشان تلحقوا العشاء وهو سخن.
همهم\ات معترضة و أخرى مُستنكرة خرجت من أفواه النساء لتهتف «صابرين» بنبرة مُعاتبة:
_ خبر ايه يا حاجة أم رأفت؟ ايه الكلام اللي بتقوليه دا مش اطلع اطمن على بنتي؟

شهقت «عنايات» بطريقة سوقيه قبل أن تحاوط كتف «غنى» التي كانت مُرتعبة من أن يتركها أهلها وحيدة بين هؤلاء الناس المُريبين لتهز برأسها يمينًا و يسارًا بينما عينيها تتوسلان لوالدتها بألا تتركها معهم؛ لتهتف «عنايات» باستنكار:
_ بنتك! بنتك ايه يا دلعدي. دي بقت بنتنا خلاص. كدا ولا ايه يا نسوان؟

كانت تُشير إلى النساء اللائي يُحيطن بها لتُجيبها خادمتها قائلة بتأكيد:
_ طبعا يا ست عنايات . اومال ايه.

لتقول «عنايات» بسماحة و صوت مُرتفع:
_ طب يالا قولوا ورايا. خدناها . خدناها.

أخذت النساء تُردد خلفها كلم\اتها التي كانت كالصُراخ على مسامع «غنى» فقد تعاظم الألم داخلها يوازيه الخوف بصدرها وهي ترى والدتها تتخاذل أمام كلم\ات «عنايات» التي كانت تصفق و هي تشدو و تُطلق الزغاريد التي وصلت إلى أُذنها كالعويل لتقوم بإدارتها و التوجه بها إلى ذلك المكان الذي من المُفترض أنه بيت الزوجية و شقتها مع ذلك الرجل الذي اختارته زوجًا لها ، ولكن مهلًا.. لم تكُن هذه شقة أحلامها ولا هذا المكان هو الذي تُريد البقاء به الباقي من عمرها و حين وقعت نظراتها على تلك الصورة المُعلقة لذلك الشاب الذي من المُفترض أنه أصبح زوجها شعرت بغصة قوية داخل صدرها، فعلى الرغم من وسامته فلم يكُن هو رجُل أحلامها. بدأت غيمه ال\ في التلاشي من أمام عقلها لتشعُر بغُربة قوية داخل هذا المكان، فانتابتها رغبة قويه في الهرب لتشرع في تنفيذها و الإلتفات إلى الخلف، ولكنها لم تحسب حساب أن الغزال حين يسقط بين براثن الذئاب يكون النجاة أمرًا مُستحيلاً.
_ راحة فين يا ست البنات ؟ مش تيجي افرجك على شقتك؟ دي البنات كلها في الكفر بتحسدك عليها، و على عريسك زينه الشباب. تحطيه في عيونك.

كانت كلم\اتها تبعث النفور فيها . تُشبه نظراتها التي تُخفي شيئًا آخر خلف قناع اللطافة التي تحاول إقناعها به، ولكن كعادتها لا تعطي لأحد فرصته في التفكير أو الحديث فقد جذبتها بقوة من كتفها و قامت بإدارتها لتُدخلها أحد الغرف التي كانت كما يُسموها في مجتمعهم غرفة الأطفال، فلم يكُن أساسها سيء ولكنه يفتقد إلى الذوق و يتميز بكثرة النقوش و الزخرفة التي جعلت عينيها تنفر من المكان، و داخلها يستنكر أن ينشأ أطفالها في هذا المكان ثم تابعت جوله استكشاف الشقة برفقتها وبداخلها يتعاظم الاحساس بالنفور وربما الندم الذي قمعه العقل الأرعن الذي تحكم به شيطان الانتقام ليؤكد لها بأنها على الطريق الصحيح، و أن ما فعلته كان الخيار الصائب
_ و دي بقى اوضة النوم. يعني الدلع كله. بصي ستايرها حمرا، و سجاجيدها حمرا، و يارب يجعل كل لياليكوا حمرا كدا.

أنهت «عنايات» حديثها وهي تُطلِق ضحكة رقيعة جعلت جسد «غنى» ينتفض هلعًا، فلم يُعجبها مظهرها لتسقط جميع الأقنعه في تلك اللحظة و تقترب منها بعينين حادتين و ملامحه جامدة و بنبرة جافة متوعدة حا/دثتها:
_ لا بقى. ماهو مينفعش كل ما أكلمك كلمة تتخضي كدا. لازم تردي عليا و تقولي حاضر يا ماما. هو انا مش ماما ولا ايه ؟

نبش الذُعر حوافره في صدرها و أحدثت دقاته صخب قوي داخلها جعل الكلم\ات تخرج مندفعة مُرتبكة تصاحبها حشرجة البكاء المكتوم داخل حلقها:
_ أيوا. ما. ماما.

فهمت «عنايات» أنها في طريقها الصحيح لذا خففت من لهجتها حين قالت:
_ طب اقعدي يا غنى اقعدي يا حبيبتي مالك خايفة كدا ليه ؟ انتِ بقيتي وسط اهلك وناسك.

لن يقوى الحديث على رفض أمرها لذا قالت «غنى» بخفوت:
_ حاضر.

«عنايات» بسماجة:
_ هطلع انا أشوف اسم النبي حارسه رأفت و أنتِ لفي لفة في الأوضة كدا و غيري على ما اجبلكوا الأكل.

خرجت «عنايات» تاركه خلفها قلب يحترق خوفاً كقط بلا أنياب سقط في عرين الأسود. أخيرًا استجابت قدماها و طاوعتها لتجلس فوق أقرب مقعد تاركه العنان لبضع قطرات من الألم لتتدحرج فوق وجنتيها التي لطختها تلك الزينة التي كرهتها كما كرهت كل شيء يدور حولها، فأطلقت العنان لآهات مكتومة أن تعبر من بين شفتيها ليتردد صداها بقلبها الذي كان جريحًا غاضبًا يُناطحه عقلًا أهوج لا يرتضي بغير الإنتقام بديلًا ؛لذا محت عبراتها بأناملها المُرتعشة وهي تُذكِر نفسها بأنها على صواب، فهذا هو الخيار الوحيد الآن بعد ما أصبحت في بيت رجل آخر لا يُشبه صاحب العيون العسلية الذي يحيا القلب على أنغام دقاته.

_ ايه يا قلب امك مالك في ايه؟

هكذا تحدثت «عنايات» باستفهام وهي تُناظر «رأفت» الذي كان يزدرد ريقه بصعوبه يحاول ابتلاع تلك الغصة المريرة التي تكمن في تلك الندبة السوداء داخل صدره. لتقترب منه والدته فإذا به يقول بارتباك:
_ م . مفيش . متوتر شويه.

_ لا تتوتر ايه ؟ ولا أي توتر. انت تهدي خالص كدا. هو انت في زيك. انت بس خد الدوا اللي الدكتور كتبهولك و هتبقى زي الفل، و بعدين ياواد دي أمك منقيالك بت تحل من على حبل المشنقة هتجري ريقك على طول.

أطلق العنان لمخاوفه في الظهور على السطح ليهتف ب\:
_ ماهو دا اللي مخوفني.

حاولت أن تبثه الثقه التي لن يُسمع لصوتها صدى داخله لذا قالت بحدة:
_ قولتلك اجمد يا واد . خايف من ايه؟ لا هو انا مـ,ـوت ولا مـ,ـوت! يالا روق كدا و فرفش و اطلع لعروستك، و كل حاجه هتبقى تمام. الدكتور مأكدلي الكلام دا.

لم تكُن قد استطاعت أن تتجاوز خوفها بالرغم من عنادها لتجد باب الغرفة يُفتح و يدخل ذلك الرجُل الوسيم المتوسط الطول الذي من المُفترض أنه زوجها.
كانت نظراته تائهة غامضة، فانعكس خوفها على إدراكها لتبدو لها عينيه مُخيفة، ولكنها أقسمت على أن تكون إمرأة وفيه حتى ولو استنفذت حياتها وهي تحاول.

أخذ يقترب منها بخطٍ بطيئة، و نظرات ضائعه وهو يتشارك معها خوفها ولكن على طريقته ليحاول استرجاع كلم\ات والدته، فثا*رت الدماء في عروقه وهو ينظر إليها بطريقة حولت خوفها إلى ذُعر و خاصةً حين انقض عليها بطريقة وحشية كانت نتائجها كارثية.

_ ما تقعدي بقى خيلتيني.

هكذا هتف «عبد الحفيظ الضباغ» إلى زوجته «عنايات» التي كانت تزرع المكان ذهابًا و إيابًا بعد أن خلعت عنها رداء القوة فهي أكثر من يعلم باستحالة معجزتها التي تبتغيها، و أيضًا تخشى حدوث كارثة قد تُعيدهم إلى نقطة الصفر من جديد:
_ انا اللي خيلتك ولا انت اللي قاعد وحاطط في بطنك بطيخه صيفي، ولا كإن اللي فوق دا ابنك.

«عبد الحفيظ» بحنق :
_ قولي للأسف ابني.

جن جنونها فهتفت صارخة:
_ عبد الحفيظ اتقي شري، و بكرة اللي انت مستعر منه دا تتباهى بيه قدام الخلق كلها.

كان يأمل أن تحدُث المُعجزة و يتحقق حديثها، ولكن صراخ قوي أتى من الأعلى ليخترق مسامعهم مما جعل جسد الثنائي ينتفض هلعًا، فهرولت «عنايات» إلى الأعلى بينما هتف «عبد الحفيظ» بخوف:
_ جيب العواقب سليمة يارب.

كانت و كأنها تهرول فوق جمرًا مُشتعِل حتى انقط/عت أنفاسها وهي تدلف إلى داخل الشقة و منها إلى غرفة النوم التي اقتحمت خصوصيتها بمنتهى التبجُح لتبرق عينيها و تُكتم الأنفاس بصدرها من هول ما رأته
فوضى عارمة في أرجاء الغرفة، ثياب مُبعثرة، الطعام مُتناثر بكل مكان، و أخيرًا جسد مُمزق و مُلقى على الأرض كخرقة بالية لم يعُد لها قيمة بينما هُناك روح تنتفض كان آخر اتصال لها في هذه الحياة تلك الزغرودة التي انطلقت من فم «عنايات» لتنغلق جفونها بصمت.

اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت”♥️

★★★★★★★★

أن بسـ،ـكـ،ـين الغـ،ـدر أمرًا رغم فظاعته لكنه وارد الحدوث، ولكن أن يكُن قاتلك هو ذلك الشخص الذي بيدك وضعته عزيزًا بين حنايا الروح لهو أمرًا مُريع. لا يتحمله قلب ولا يُصدقه عقل. تعجز جميع الحواس عن تقبله، و النجاة منه مُستحيلة. كأن يُلقي بك أحدهم وسط بركان هائج ويقول لك لا تحـ،ـترق!

_ بجولك ايه يا مطاوع. لم دورك و خف مع البت الرجاصه دي. احنا ملناش في اللوع ياواد عمي.

هكذا قال «رحيم» بتقريع وهو يقود السيارة موجهًا حديثه إلى ابن عمه «مطاوع» الذي كان يجلس بجانبه يتأفف من حديثه قائلًا :
_ بجولك ايه يا رحيم. سيبني في حالي الله يرضى عليك. اني راچل بحب اللوع كَد عنيا و خصوصي اذا كان بعنين خضرا و شعر اصفر. دا اني ابجى حمار لو جولتله لاه.

كانوا قد أصبحوا على أعتاب بلدتهم في أحد مُحافظات الصعيد ليقول «رحيم» بنفاذ صبر:
_ ما انت حمار فعلًا. دي حُرمه معندهاش دم. دايرة تدور على الرچاله المخبلة اللي شبهك ترمي بلاها عليهم.

«مطاوع» بحنق:
_ يا سيدي اني موافج هو في أحلى من أكده بلا، و بعدين اني معرفش انت كارهها أكده ليه؟

«رحيم» باتزان:
_ لا كارهها ولا حاببها. بس اني راچل دوغري، و دي حديتها ملخبط، و بتعمل عكس اللي بتجوله، و حتى لو زي ما جالتلك أنها تابت من الجرف بتاعها و رايده الحلال. ليه بتروح المدعوج ده تسهر فيه كل ليلة؟

«مطاوع» بملل مُحاولًا تغيير دفه الحديث:
_مبجتش تروح يا رحيم، و بعدين بجولك ايه بزياداك تبكيت فيا مش كفايه خلتني سبتها و چيت وراك نروح في نصاص الليالي أكده ، و كل ده عشان مش جادر تتأخر على الست حنان بتاعتك.

رقت نبرة «رحيم» و غامت عينيه شوقًا حين قال:
_ اني خلصت اللي اندليت مصر عشانه يبجى أغيب عن مرتي اللي بحبها ليه؟

«مطاوع» بتهكُم:
_ ايوا ياخوي. انت تحب و أني اتچرچر من جفايا وراك..
صمت «مطاوع» حين التقمت عينيه امرأة مُتلحفة بالسواد تهرول من بعيد بين الشجر من جانبه فقال بلهفة:
_ وجف يا رحيم على چنب.

«رحيم» باستفهام :
_ أوجف ليه ؟ دي حتة مجطوعه!

«مطاوع» بإصرار:
_ وجف بجولك . مش چبت سيرة البلا اهو باينه حضر ولا اي؟

أوقف «رحيم» السيارة على جانب الطريق وهو يستفهم ب\ :
_ في ايه يا هباب أنت؟

_ عيني لمحت مرا بتچري وسط الشچر، وهي عم تتلفت يمين و شمال كيف الحرامية. الله واعلم راحه تعمل ايه دي؟!

بدأ القلق يُساور «رحيم» الذي قال باستفهام:
_ أنت متوكد من حديتك دا؟ دي حتة مجطوعه ايه اللي هيچيب واحدة ست أهنه دلوق؟

«مطاوع» بإلحاح:
_ متوكد. اومال جولتلك وجف ليه ؟

جذب «مطاوع» سلاحه من درج السيارة و توجه إلى الخارج و كذلك فعل «رحيم» الذي قال بوعيد:
_ لا أكده يبجى لازمن نشوف في ايه؟

أخذ الرجلان يتحركان في الاتجاه الذي أشار إليه «مطاوع» ليلوح من بعيد كوخ صغير. توجه الرجلان إليه إلى أن توقفا عنده ليقول «رحيم» بتحيُر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى