ذنوب ع طاولة الغفران ١

انت في الصفحة 16 من 17 صفحات

_ هتحضر القاعدة النهاردة بردو يا ياسر؟ هكذا استفهام هيام بغضب فلم يُجيبها ياسر انما التفت إلى الجهة الأخرى يرتدي جلبابه وهو يقول بجفاء _ هروح اجيب روضة من المحطة و اجي لو عايزة تيجي معايا الحقي اجهزي. اغتاظت من تجاهله لحديثها ولكنها تعلم من نظراته بأنه يُريد الهرب لذا لم تُزيد من الحديث في الأمر انما قالت باختصار _ هستناك لما تيجي. اومأ بصمت و توجه إلى الخارج ليستقل سيارته و إذا بهاتفه يرن فقام بالإجابة عليه قائلًا بمرح

_ أيوا يا روضة أنتِ فين ؟ _ انا قربت انزل في المحطة اهو انت فين؟ ياسر باختصار _ هتوصلي تلاقيني مستنيكِ. روضة بمرح _ معقول ياسر الوتيدي بجلالة قدره جاي يقابلني! ياسر بمرح _ دانا اجبلك الوتايدة وتد وتد يقفوا يستنوا روضة هانم الصياد. فجأة تجمدت يده المُمسِكة بالهاتف حين سمع ذلك الصوت الخافت من خلفه يهمس باسمه _ ياسر. يتبع…. بسم الله الرحمن الرحيم الإثم التاسع بعنوان ” بدايات غير مُوفقة ”

سيأتي يوم و سيعرِف الغائبين اننا كُنا أكثر الحاضرين صِدقًا، ولكنهم لن يستطيعوا البوح بذلك، فـ ذنوبهم عظيمة لا يُستهان بها، والأعظم من الذنب المُجاهرة به، فلا سلام عليهم ولا عِتاب لهم، وليكن هذا درسًا قاسيًا يُعلِمهم كيف يحترمون الفُرص، فالقلوب التي عانت من الخذلان في الماضي أقسمت على الحاضر بأن لا تغفر. مُعلنة راية العصيان أمام كل ذكرى قد تُعيدها إلى نقطة الصفر من جديد، آملة في مستقبل يحمل لافتة بعنوان بدايات خُلِقت لتُلائم قلوبنا، لكن أترتضي القلوب بغير سُكانها؟ و هل في الروح مُتسع لذنبًا جديد؟

نورهان العشري ✍️ 🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁 يؤسفني بأن قلبي لازال عامرًا بالحنين إلى إمرأة عشقها بلية، و قربها مهانة، و نسيانها مُحال!
فإن كان شر البلية ما يُضحِك، فمُرها يُبكي، و البكاء في شريعة رجلٌ مثلي نقيصةً و امتثال. _ ياسر.

تجمدت الدماء بأوردته و اهتاجت دقات قلبه حين استمع الى صوتها الذي كان يحمل بحة خفيفة ولكنها تُمثل إعصارًا على حواسه التي مازالت تتأثر بها و كأن ما مَر من مُر طوال العامين الماضيين كان هباءًا
التفت بسائر جسده ليصطدم ببحور الحزن تغزو بؤبؤي ليلها الحالك الذي تتشعب به شعيرات حمراء تحكي هول ما ذرفته من الدمع، ولكنه حاول ألا يتأثر بهيئتها مُذكرًا نفسه بأنها تنتمي لآخر
_ نعم.

هكذا تحدث بنبرة جافة جعلت حفنة من الوخزات تتفشى في سائر جسدها، و لوهلة شعرت بالندم لقدومها ، ولكنها أرادت تلمُس الأمان ولو كان من بعيد
_ خلاص . مش مشكلة . شكلك رايح مشوار مهم. مش عايزة اعطلك. هُراء تتفوه بالهُراء كعادتها دائمًا أمامه حين لا تعرف ماذا عليها أن تقول، ولكنه لم يعُد ذلك الذي يتفهم حتى صمتها
_ انا فعلًا ورايا مشوار مهم. بس عادي في حاجه؟

شيطان يلهو بدقات قلبها حين لامست اذنيها اسم تلك الفتاة التي كان يُدــ,,ـــــادثها، و قد حاولت قمع استفهام يُلِح عليها قلبها به لتقول بتلعثُم
_ أنا. يعني . كنت. كنت بس عايزة اقولك شكرًا. توسعت حدقتيه من كلماتها و الأدهى مظهرها الذي يوحي بأنها حقًا تود أن تشكره لذا لم يتمالك نفسه حين قال بسخرية
_ على ايه؟ عبأت صدرها بالهواء قبل أن تقول بخفوت
_ عاللي عملته معايا في القاعدة… قاطعها بجفاء أجفلها
_ اللي عملته معاكِ في القاعدة بعمله كل يوم مع غيرك. مش مستحق انك تشكريني ولا حاجه.

تفشى الغضب و الألم بأوردتها، فهي ترى الأمور من منظورها الذي يُدينه إلى أخر العمر، ولكن لا تعلم من أي جهة تسرب هذا الضعف إلى أوصالها ليجعلها تقول بخفوت
_ مش بس في القاعدة. يوم. تلعثمت الحروف على شفاهها قبل أن تُتابع بحــ,,ـــــرقة
_ لو مكنتش لحقتني. مكنتش عارفه هيحصلي ايه… لم يتحمل الأسى في عينيها و القهر في نبرتها لذا هتف بحزم
_ مكنش هيحصل حاجه و متفكريش في اللي حصل تاني. كإنه محصلش.

غنى بلوعة
_ مش بالسهل اعتبر اني مفيش حاجه حصلت. ياسر بقسوة
_ لا سهل. أنتِ شاطرة اوى في الموضوع دا. استشعرت المغزى وراء كلماته، فعاود الغضب أدراجه من جديد لتهتف بجفاء
_ عندك حق. عمومًا شكرًا مرة تانية، و معطلكش عن مشوارك أحسن تتأخر عن اللي مستنياك.
بلحظة تبددت الأجواء حولهم و اشتعلت رغبة هوجاء داخله في إهاجة تلك الشرارة التي تتوسط حدقتيها ليهتف بنبرة خشنة
_ تقصدي روضة! عندك حق مينفعش أتأخر عليها.

باغتتها الكلمات وخرجت مندفعة من بين شفاهها حين قالت
_ و دي مين روضة دي أن شاء الله ؟ _ و دا يخصك في اي؟ استفهام كان كالجمر أحــ,,ـــــرق كُلًا من قلبها و كبرياءها في آن واحد لتحاول تجاوز سقطتها قائلة بلامُبالاة
_ لا عادي بس سمعتك بتقول روضة الصياد وانا معرفش أن المعلم جابر عنده بنات. استفحل التشفي بصدره، و شعور عارم بالارتياح سكن داخله وهو يرى ملامحها الغائمة ليواصل هجومه السافر قائلًا بنبرة ذات مغزى
_ متشغليش بالك أنتِ.

_ مش شاغله بالي و لو مفكر اني بشكرك عشانك انت فأنت غلطان. انا بردو كلمت حسن و شكرته أنه قال الحقيقة يوم القاعدة و مخفش من عمه. رغمًا عن كل شيء غضب و تفشت علة الغيرة الهوجاء بصدره فهتف بسخرية غاضبة
_ والله ! شكرتي حسن كمان! دا ايه الأصل دا؟ طب حلو ابقي فكريني اديكِ رقم الرجالة اللي كانت في القاعدة كلها علشان تشكريهم. غنى بتشفي
_ متشغلش بالك انت. انا هعرف اشكرهم ازاي.

لا إراديًا أخرجت شياطينه من جحيمها ليهتف بغضب
_ بت أنتِ اعدلي بدل ما اعدلك. توقف الوقت و سكن كل شيء حولهم، فتلك الجملة كان دائمًا يُلقيها على مسامعها حين كانت تغضبه في السابق، فتكُن رادع لها، والآن و في تلك اللحظة تود لو تتجاوز عن العامين الماضيين و تخبره جملتها المُعتادة في مثل هذا الموقف
_ و تهون عليك الغريبة بتاعتك! لا تعلم أن جملتها سمعها قلبه الذي ردد دون وعي جملته المُعتادة
_ الدنيا كلها تهون لكن أنتِ لا.

كان حديث صامت أعادهم إلى الماضي الذي لم يرحمه لذا زمجر بقسوة
_ روحي، و اعرفي أن أي حاجه عملتها معاكِ هعملها مع أي حد كان في مكانك. أنهى جملته و التفت يستقل سيارته و ما أن أخذ موقعه بجانب المقعد حتى تفاجيء برؤوف ابن عم أسيا يتقدم إلى جانبها و يُدــ,,ـــــادثها بل و يُصافحها فبدا و كأنه على حافة الجنون الذي جعله يُغادر و كأن أبواب الجحيم السبعة فُتِحت على مصرعيها لتطارده شياطينها. و أفوض أمري إلى الله والله بصير بالعباد ♥️
★★★★★★★★★

تجمدت نبيلة بمكانها حين شاهدت تلك التي تصعد الدرج بمساعدة الحرس لتترك أقدامها للريح لتحملها خلف تلك الغرفة المُتهالكة و قلبها ينتفض من فرط دقاته، فقد تحقق ظنها و لحسن حظها فقد كانت تسبق خصمها بخطوة ولهذا جاءت إلى هنا، و لكن كانت تميز من الغيظ لأنه ليس في مقدورها معرفة ما يحدث في الداخل.

لم تكد تلتقط أنفاسها و تنفس ذرات الغضب العالقة بصدرها جراء ذلك اللقاء السيء مع هذه المرأة لتتفاجيء بتلك العجوز التي تقف أمام باب بيتها تناجيها بأعيُن يلتمع بهم شيء يُشبه الأسى، ولكنه لم يُزيدها إلا غضب لتقف أمام الباب كسد منيع قائلة بنبرة جافة
_ اقدر اساعد حضرتك في حاجه ؟ كانت عيني سعاد تطوف فوق ملامح شروق بشوق ولهفة لا تجرؤ عن التعبير عنهمَ فذنوبها تقف كالجبل الشامخ بينها و بين تلك الفتاة التي تكاد تقسم أنها علمت هويتها.
التفتت الى الحرس قائلة بلهجة آمرة
_ استنوني تحت.

انصرف الرجلان اللذان يحملان المقعد المتحرك الجالسة فوقه فالتفتت ناظرة إلى شروق التي كانت ملامحها جامدة لتقول سعاد بنبرة هادئة
_ عاملة ايه يا شروق؟ شروق بنفس جمودها
_ الحمد لله بخير. لم تتوقع منها أن تُلقي بنفسها بين أحضانها بل توقعت الأسوء من ذلك ولكنها رغمًا عنها تألمت فبدا ألمها ساطعًا في عينيها و تحشرجت نبرتها بالبكاء حين قالت
_ عمر قالي انك مش عايزة تعرفينا ولا عايزة أي صلة تربطك بينا. شروق بجمود
_ كويس أنه وصل الرسالة كاملة.

سعاد بهدوء رغمًا عن حزنها
_ انا مش جاية اجبرك انك تعرفي عيلتك، ولا حتى هطلب منك تتقبلينا. انا بس عايزة اقولك أن اللي راحت دي كانت بنتي، واللي حصل دا كان بيني و بينها، و عشان كدا ابوكي الله يرحمه بعتلنا و طلب مننا…

قاطعتها شروق بنبرة جامدة جاهدت على ألا تكون حادة، فتلك المرأة استفزتها بحديثها الخال من الذنب تجاه ما فعلته في السابق
_ ابويا الله يرحمه كان خايف يسيب بنتين يتامى في الدنيا لوحدهم من غير حماية، و كان بالنسباله دا احسن حل، بس اطمني انا و اختي الحمد لله كويسين وعايشين وسط ناس كويسه معانا و بتحبنا و بتعتبرنا منهم. سعاد باختصار
_ يعني ايه؟ شروق بجفاء
_ يعخي أنا برفع عنك الحرج يا سعاد هانم، و بقولك متشغليش بالك بينا احنا كويسين واللي ابويا عايزة حصل احنا هنا وسط أهلنا.

تشقق قناع الجمود الذي تُحيط به نفسها و تحاول الإبقاء عليه قدر الإمكان لتتساقط عبرات الندم من عينيها بينما ملامحها لازالت هادئة فقط حشرجة انتابت لهجتها حين قالت
_ طيب. كويس انكوا مرتاحين وسط الناس هنا. بس دي بردو مش وصية والدك الله يرحمه، ولا هو كدا مرتاح. لم تسمح لنفسها أن تأثر بعبراتها إنما أجابتها بنبرة جامدة
_ معتقدش أن راحة بابا الله يرحمه تهمك اوي، و مع ذلك انا بعفيكِ من اي واجب حاسة بيه تجاهنا بسبب طبعًا الجواب اللي هو بعتهولك.

لسوء حظها أنها لم تعرف التنازل أبدًا، و حتى في تلك اللحظة التي تود فيها الاعتذار لا تعرف كيف؟ تريد أن تخبرها بأنها تشتاق ابنتها الراحلة كثيرًا ولا تعلم كيف؟ فقط عبرات غزيرة لا تقدر على كبحها و عينين تتوسلان بصمت علها تُشفق عليها، ولكن اي شفقة وهي لم تُعط بادرة سلام واحدة!
_ تعرفي انك مش شبة نسمة خالص. جملتها أصابت اعماق قلبها و اهتز شيء ما بقوة داخلها ولكن هناك جراحًا لم تندمل بعد، و ذكريات لم تفلح الأيام في محوها لذا هتفت بنبرة يشوبها السُخرية
_ ايه دا هو أنتِ لسه فاكرة شكلها؟

تهدجت نبرة سعاد و علت شهقهاتها وهي تقول
_ هو في حد بينسى ضناه يا شروق؟ لم تكُن القسوة طبع مُتأصل بها أنها صفة اكتسبتها كلما نقشت الأيام وجعًا جديدًا فوق جدران قلبها لذا هتفت بجمود
_ أه في. أنتِ. سعاد بأسى
_ انا عمري ما نسيت بنتي لحظة واحدة. انا مفيش حاجه كسرتني قد بعدها.

ابتسامة ساخرة رنت في أرجاء الغرفة تلاها صيحة استنكار غاضبة خرجت من فم شروق التي ارتجفت جميع أوداجها غضبًا و قهرًا
_ اهي دي أحدث نكته انا سمعتها في حياتي. أنتِ عارفة كام مرة امي حاولت تشوفك و أنتِ رفضتي؟ عارفة كام مرة اتقفل بابك في وشها؟ واوعي تقولي مكنتش اعرف. أومأت سعاد بقهر تجلى في نبرتها
_ والله ما كنت اعرف. معرفتش غير متأخر. شروق بقهر
_ ولما عرفتي عملتي ايه؟ سألتي عنها؟ قولتي عايزة اشوف بنتي؟

_ لا مقولتش، و مكنتش هقول. تفاجئت شروق من حديث سعاد التي استرسلت بأسى
_ مكنتش عيزاها ترجع عش الدبابير. مكنتش عيزاها تتأذي. كنت ببعدها عشان خايفة عليها. توسعت حدقتي شروق من فرط الصدمة التي جعلتها تُردد باستنكار
_ خايفة عليها؟ اومأت سعاد بقهر تفشى في لهجتها حين قالت
_ ايوا كنت خايفه عليها. كنت بحميها امك بعد ما مشيت حاجات كتير اتغيرت، و كل الوشوش اتكشفت، و النتيجة زي ما أنتِ شايفة انا بقيت قاعدة على كرسي.

لم تستطِع استيعاب حديث سعاد التي كان الأسى جليًا على ملامحها، مما يجعل استحالة كذبها، ولكن لوهلة نسبت حديثها إلى تلك المرأة التي كانت هنا منذ قليل، فقالت بجمود
_ تقصدي نبيلة مرات ابنك؟ رفعت سعاد رأسها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت
_ أنتِ عرفتيها منين؟ عرفتي نبيلة منين؟ شروق باستفهام
_ ومالك اتخضيتي كدا ليه؟ ماما الله يرحمها كانت بتحكيلي عنها، و كمان هي كانت لسه هنا قبل ما أنتِ تيجي. بهتت ملامح سعاد و انهارت كل ذرة تماسك لازالت تتحلى بها فصرخت بذُعر
_ سعاد عرفت مكانكوا منين؟ اختك فين؟ انتوا ملكوش قعاد هنا. كلميلي عمر…

أنهت جملتها و انتابتها نوبة سُعال جعلت شروق تهرول إلى الداخل لتجلب كوب من المياة حتى تساعد تلك المسكــ,,ـــــينة التي كان جسدها يرتجف و صدرها يعلو و يهبط من فرط السُعال فقامت بمساعدتها في ارتشاف عدة قطرات من المياة ولكن لاتزال ترتجف كورقة شجر تجاهد حتى لا تسقط فريسة لرياح عاتية، فلم تستطِع شروق سوى أن تحاوطها وهي تقول بلهفة
_ اهدي. في ايه؟ محصلش حاجه. سعاد بتلعثُم
_ هيحصل. دي شيطانه. هي اللي ضيعت بنتي زمان، و عايزة تضيعكوا مني دلوقتي. حرمتني من بنتي زمان، و عايزة تحرمني منكوا. بس والله ما هسمحلها. لو حكمت هقتـ,ـلها.

كانت مُمسكة بيد شروق بقوة فشعرت الأخيرة بأن تلك المرأة صادقة إلى أبعد حد، فنحت كل شيء جانبًا و جلست على ركبتيها وهي لازالت مُمسكة بيد سعاد لتقول بنبرة هادئة
_ ممكن تهدي شوية. هي متقدرش تقرب مني ولا من أختي. بس انا عايزة اعرف ايه سبب حالتك دي؟ الست دي ممكن تعمل ايه؟ سعاد بغل
_ مفيش حاجة متقدرش تعملها. دي ممكن تسخر الشياطين عشان مصلحتها. ميهمهاش اي حد غير نفسها و بس. لكن ورحمة بنتي ما هسيب حقها، و هخليها تندم على كل اللي عملته زمان.

شروق بلهفة
_ اللي هو ايه؟ عملت ايه زمان عشان تكرهوها كدا؟ امي الله يرحمها لما كانت بتجيب سيرتها كانت جسمها بيرتعش. ليه؟ صمتت سعاد لثوان قبل أن تقول بنبرة جامدة
_ هقولك بس بشرط ! شروق بترقب
_ شرط ايه؟ سعاد بتصميم
_ تساعديني اجيب حق امك منها. لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ♥️ ★★★★★★★★★★ _ أنتِ مجنونة ؟

هكذا صرخت أسيا بملء صوتها بعد أن احــ,,ـــــرقتها القهوة الساخنة التي قامت تلك المجنونة بسكبها فوقها لتهتف وهي تضحك بشر
_ دا عشان بس تعرفي أن المقامات محفوظة، وانك طلعتي نزلتي لسه بردو شغاله عندنا. يا بنت الخدامة لم تستطِع تحمل تلك الإهانة لتقترب منها و تقوم برفع كفها تنوي اخراسها إلى الأبد وإذا بها تتفاجأ بيد قوية تُمسِك كفها من الخلف و صوت صارم اخترق أذنيها
_ أنتِ اتجننتي بتعملي ايه؟

ارتعش سائر جسدها و تعاظم القهر بصدرها حين جذبتها يداه إلى الخلف وهو يناظرها بتلك العينين اللتان تقطران غضبًا إضافة إلى أنامله القوية التي كانت تقسو على كفها حتى كادت عظامها أن تتهشم، ولكن أكثر ما آلمها هي تلك الفتاة التي اندفعت إلى أحضان أخيها وهي تنوح باكية
_ ألحقني يا أبيه كمال. شوف الحيوانة دي كانت عايزة تضـ,ـربني . احتواها كمال بين ذراعيه و لازالت عينيه تقدحان الشرر وهو يُناظر تلك التي تجددت ذكرى سيئة أمام عينيها فحاولت قمع عبراتها و السيطرة على إرتجافة جسدها و صوتها حين قالت
_ الحيوانة دي تبقى أنتِ.

افزعتها صرخته حين قال بصوت هز أرجاء المكان
_ لا دي أنتِ قليلة الأدب بجد بقى! أنتِ بتشتميها وانا واقف؟

من أصعب المواقف التي يخابرها الإنسان في حياته أن يقف في مواجهة رياح الظلــ,,ـــــم دون أن يمتلك جدار واحد يُمكنه الاختباء خلفه أو الاستناد عليه. ذلك القهر الذي يُخالج الروح حين تُلام على جُرم لم ترتكبه و إثم هي ضحيته بينما يتواطأ الظالم مع الجلاد بكل دناءة هكذا كان حالها، ولكنها أبدًا لن تسقط أمامهم ولن تخرج من بينهم الا وهي مرفوعة الرأس حتى ولو كلفها الأمر حياتها.
_ لا معلش لما تيجي تذكر قلة الأدب يبقى متنساش تقول اسم الأنسة ميرهان اختك. عشان تقريبا وانتوا بتبنوا الصرح العظيم دا و اللي هو فرصة كبيرة لأي متدرب تقريبا نسيتوا تربوها.

أنهت جملتها ولم تنتظر لسماع اي رد من شأنه أن يبعثر كبريائها أكثر من ذلك إنما هرولت إلى الخارج حتى تطلق العنان لعبراتها التي كانت كالفيضان أغرقت وجهها وملامحها لتستقل المصعد تبغي الهرب من هذا المكان بأقصى سرعة و ما أن خرجت من باب الشركة حتى وقفت تسترد أنفاسها واضعة يدها فوق صدرها و أخرى فوق فمها تكتم شهقاتها لتتفاجيء بظل ضخم يجثو فوقها و صوت خشن جعلها تنتفض في مكانها
_ أنتِ كويسة ؟

وقعت انظارها على اخر شخص توقعت أن تراه الآن فهتفت بصدمة
_ خالد بيه؟ ضيق خالد عينيه بتفكير قبل أن يقول بجفاء
_ انا عارفك؟ حاسس اني شوفتك قبل كدا. محت عبراتها بأناملها قبل أن تقول بنبرة متحشرجة
_ انا متدربة هنا و .. صمتت لثوان فأومأ برأسه كي تُتابع لتقول بنبرة خافتة
_ انا بنت رضا. الدادة اللي عندكوا في البيت. خالد بتذكُر
_ أنتِ أسيا؟ اومأت بصمت فطافت نظراته على ملامحها و هيئتها المُبعثؤة ليتابع باستفهام
_ طب وليه نازلة تجري و بتعيطي كدا ؟ حد عملك حاجه؟

لم تفلح في قمع عبراتها التي انهالت مرة أخرى و هتفت من بين شهقاتها
_ لا أبدًا مفيش حاجه.. قاطعها خالد بصرامة
_ تعالي ورايا. لم يُمهلها الوقت للتفكير انما توجه إلى الداخل لتجد نفسها مُرغمة على اللحاق به و داخلها تلعن ذلك المكان ألف مرة _ ممكن تقوليلي حصل ايه بينكوا عشان تفكر تمد أيدها عليكِ ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى