رواية المستحيل بقلم شاهنده

انت في الصفحة 4 من 18 صفحات

دوت كلماته التي قالها لها بالداخل في رأسها. هتبدأي العلاج بالكيماوي ولو منجحش هنضطر نلجأ لمتبرع ليكي يقبل يتبرع بخلايا جذعية سليمة. العلاج ده ناجح جدا وممكن يعالج المريض كليا أو جزئيا حسب نوع المرض وعمر المريض ومدي سوء الحالة المرضية، طبعا احنا بنفضل زراعة خلايا جذعية مماثلة ودي عن طريق زرع نخاع عضم سليم من متبرع قريب قوي منك زي أخوك أو أخت توأم أو مش توأم، باباك ومامتك حتي. عموما الخطوة دي هنأجلها لغاية مانشوف أثر العلاج الكيماوي في حالتك. وازاي جسمك هيستجيب للعلاج.

هل كانت في كلماته بارقة أمل؟ بالتأكيد لم ترها، لقد شدد على تكاليف العلاج الباهظة وإمكانية فشله. ستتعرض لعذاب العلاج الكيميائي. سيتساقط شعرها. ستشعر بالوهن حتى أنها لن تستطيع الوقوف؟ ستمر بكل مايمر به مصاب بهذا المرض اللعين وفي النهاية قد لا تشفي أبدا. لقد طلبت من ربها إنصافا عادلا فأي عدل فيما يحدث لها؟

فركت وجهها بيديها وهي تستغفر الله قبل أن تنهض وتتجه لباب المشفى، فلا فائدة في جلوسها هكذا دون حراك والأخرى بها أن تعود للمنزل، لتتذكر حالها وهي تغادره فتعود مدامعها للظهور وهي لا تدري كيف ستخبر زوجها بمصابها وماذا سيكون رد فعل حماتها؟ لتبتسم بمرارة تدرك أنها ستفرح بكل تأكيد وهي تدرك أنها علي وشك الخلاص منها.

رن هاتفها فنظرت إلى شاشته، انه رقم خالتها. زفرت بقوة. لن تستطيع الإجابة فجل ماستفعله هو البكاء وستهلع خالتها جراء ذلك. ولكنها أيضا إن لم تجب ستثير قلقها عليها، ربما ستنتظر دخولها المنزل تأخذ حماما يريحها ثم تتصل بها تتحجج لها بأي حجة تبرر لها عسائل حيوي ذهابها إليهم اليوم. ربما ستقول أن حماتها مريضة ولن تستطيع مغادرة المنزل وتركها، تبدو حجة جيدة.

أدارت المفتاح في الباب وما إن دلفت إلى المنزل حتى توجست خيفة من ملامح زوجها المكفهرة. ترى ماالذي جاء به اليوم إلى المنزل باكرا؟ نعم. نظرات حماتها الشامتة جعلتها تدرك أنها من بلغته بغيابها دون اذن ما ان اكتشفت عسائل حيوي وجودها بالمنزل.
قالت بصوت مرتبك: عادل. قال عادل بصوت قاس غاضب النبات وهو يقترب منها: أيوة عادل. الزوج اللي نبه عليكي متخرجيش من البيت النهاردة وعصيتي أمره. للدرجة دي مبقتش فارق معاكي ياهند؟
مش قلتلك انك دلعتها زيادة عن اللزوم.
طالعتها هند قائلة بحنق: متدخليش بينا.

لطمة أصابتها فنظرت إلى الفاعل بدهشة أعجزتها عن الكلام، فقط سائل حيويوعها التي تجمعت بمقلتيها أنبأته بخذلانه إياها، ليتجاهل صسائل حيويتها وهو يقول باستياء: الظاهر اني فعلا دلعتك زيادة عن اللزوم لدرجة انك كسرتي كلمتي ومعتذرتيش ولا بررتي تصرفك لأ وكمان بتزعقي لأمي قدامي.

وانت شفت ايه ياعادل من اللي بيحصل من ورا ضهرك وانت ولا انت هنا. اسألها كانت فين؟ هتكدب وتقول عند خالتها طبعا وخالتها متعرفش عنها حاجة. الظاهر انها كانت بتستغفلنا كلنا.
نقلت بصرها بينهما تردد بصوت متهدج من الألم متقطع النبرات: ياناس حرام عليكم. اتقوا الله.
قال عادل هادرا: انطقي ياهند. كنت فين؟
طالعته بألم قائلة: انت كمان بتشك فيا؟!

انت اللي جبتيه لنفسك لما خرجتي من غير اذني ودلوقتي بارادتك او غصب عنك هتقوليلي كنت فين ياهانم؟
شعرت بالضباب يحيط بها تزوغ الرؤية أمامها وهي تقول بأنفاس تضيق: أنا، انا كنت…
كنت فين انطقي؟
اسودت الدنيا من حولها وبينما كانت تسقط أرضا تسيل السائل حيوياء من أنفها سمعت عادل يصرخ بإسمها قبل أن تغيب تماما عن الوعي.

قال بحزن: طب ليه مقلتليش ياهند؟ ليه خبيتي عليا؟
كانت تشيح بوجهها عنه تطالع السماء من خلال نافذة حجرة المشفى التي أحضروها إليها بعسائل حيويا أغشي عليها تقول بمرارة: وهو أنا لحقت؟ ماانت مستنتش حتى اتكلم ورميتني بالباطل انت وطنط نجية.
لترفع يدها تمررها على وجنتها تردف بحسرة وقد اغروقت عيناها بالسائل حيويوع: لأ وكمان مديت ايدك عليا وكسرتني ياعادل. كسرتني بجد. مرر يده في شعره وهو ينهض قائلا بعصبية: ماانا سألتك كنت فين وانت فضلتي ساكتة. وبعدين انت اللي خليتني افهم غلط لما عصيتي أوامري وخرجتي من غير اذن، كنت عايزانى أتصرف ازاي يعني؟

طالعته بنظرة عاتبة أصابته في قلبه وهي تقول: الدكتور أكد عليا اني لازم اكون موجودة في الميعاد اللي حدده، ده غير اني كنت زعلانة منك ومع ذلك كلمتك كتير وتليفونك كان مقفول. مغلطتش وحتى لو غلط، عاتبني لكن مترمنيش بالباطل وانت عارف اني مستحيل أعمل حاجة غلط. أنا ياعادل تتكلم معايا بالأسلوب ده قدام مامتك. وتتصاسائل حيويني كمان.
ماانا تصاسائل حيويتك لأنك زعقتيلها ياهند.

انا طلبت منها متدخلش في حياتي وده حقي اللي سكت عنه كتير، ياما سمعتني كلام زي السم وكنت بسكت، ياما حسستني انك كتير عليا وكنت بحط جزمة في بقى. ياما قالتهالي وش. انا مكنتش عايزاكي لعادل بس الحب عماه وأخدك قضا ربنا بقى. وكنت بطنش ولا كأني سامعة. لكن دلوقتي فاض بيا ومرضى ضيق خلقي. انا محتاجة ايد تطبطب عليا ولسان يقولي اجمدي أنا في ضهرك. مش ايد تتمد عليا وتجرحني وتحسسني اني من غير ضهر.

كان يدرك انها محقة في كل كلمة تقولها ولكن رجولته تمنعه من الاعتراف بخطأه، هكذا فكر عادل لا يدري ان قمة الرجولة أن تعترف بخطأك في حق الآخرين وتطلب غفرانهم. لذا قال بعتاب: انت بجد مش شايفاني سندك ياهند، وهان عليك تقوليها؟ أشاحت بوجهها عنه قائلة بحزن: اللي شفته من امبارح مخليني في دوامة مبقتش عارفة فيها مين معايا ومين ضدي؟ وليه بيحصل معايا كل ده؟ في يومين اتحولت من عروسة سعيدة في حياتها لواحدة بينها وبين الموت خطوتين…
أسرع يمسك يدها مقاطعا إياها قائلا: متقوليش كدة. بعيد الشر عليكي. انت هتتعالجي وهتبقى زي الفل.

نظرت إليه قائلة بحزن: انت بتضحك عليا ولا على نفسك، اللي بيجيلهم المرض ده بيموتوا، نسبة قليلة قوي اللي بتعيش والنسبة دي بيبقى مع اصحابها فلوس كتيرة يقدروا يتعالجوا بيها وينجوا نفسهم من الموت.
لو هبيع اللي ورايا واللي قدامي. هدفع كل مليم حيلتي عشان تتعالجي.

طالعته تقاوم هذا الأمل الذي انبثق من كلماته، ترغب في تصديق أنها يوما ما ستنجو حقا من هذا المرض اللعين وتعود إلى حياتها الطبيعية مرة أخري ولكن هذه التجارب التي لطالما سمعت عنها تدحض أملها وتخيبه لذا اكتفت بهزة رأس خفيفة باهتة منحته إياها وقبل ان تقول شيئا سمعت طرقات على باب الحجرة ثم دلفت خالتها تتبعها صفية تقول الأولى بألم: ياضنايا يابنتي، قلتلكم عين وصابتكم يابناتي مصدقتونيش.

جلست جوارها تقول بلوعة: حاسة بإيه يابنتي؟ طمنيني عليكي.
أسرعت هند ترتمي باحتضانها تبكي بقوة بينما طالعهما كل من عادل وصفية بقلة حيلة حتى سكبت هند سائل حيويوعها في صدر خالتها قبل أن تخرج من احتضانها قائلة: انت عرفتي منين اني في المستشفى ياخالتي؟

طالعت خالتها عادل بحنق قائلة: كلمت البيت حماتك ردت عليا وقالتلي انك في المستشفى ولما سألتها كفى الله الشر. مالها هند؟ قالتلي تلاقيها بتدلع زي عوايدها. كلمت جوزك تليفونه كان مقفول. اتجننت. كلمت المستشفي رد عليا دكتور عزيز و قاللي على حالتك جيت جري انا وصفية اللي ياكبدي اول ماعرفت نطت من المكان المريح وجت معايا جري.

أشاح عادل بوجهه يدرك هذا اللوم الخفي علي أمه في كلمات السيدة نبيلة لم يستطع تحمله رغم ادراكه خطأ والدته ليخرج من الحجرة متضايقا، فقالت صفية مؤنبة والدته: مكنش ليه لزوم الكلام ده ياماما. أهو عادل زعل.
بس يابت. انت مسمعتيش حماتها كلمتني ازاي. ولية قرشانة مش عارفة حبيبتي هند مستحملاها ازاي.
أطرقت هند بحزن قائلة: ربنا يسامحها بقى. أنا مش عارفة هي عايزة ايه بالظبط؟

قالت خالتها: ودي فيها كلام؟ عايزة تفرق بينك وبين جوزك عشان تجوزه الغندورة بنت عمه. انت نسيتي لما جت تخطبك قعدت تشعر فيها ازاي وتتحسر على أنها مطلعتش من نصيب ابنها. والله لولا انك كنت بتحبي عادل وهو كمان بيحبك كنت طردتها من البيت بالمقشة البلح اللي بكنس بيها السلم.
قالت هند بوهن وقد شعرت ببعض التعب: الظاهر انها هتحقق أمنيتها وتخلص مني وساعتها هتجوزهاله وترتاح.

قالت صفية ونبيلة في ذات الوقت: بعيد الشر عنك ياهند.
لتردف خالتها قائلة: يابنتي متقوليش كدة. خلي أملك في الله كبير. هو قادر يشفيكي ويعافيكي ويخرجك من ازمتك على خير.
لتقول صفية بحنان: انت مش قلتيلي اني لازم يبقى عندي يقين في رحمة ربنا، و اني سندك ياهند؟
هزت هند رأسها فمدت لها صفية يدها مردفة: خلاص يبقى ايدي في ايدك هنحارب مرضنا، انت الجسدي وانا النفسي وبإذن الله ربنا هيعينا وهننتصر. قلتي ايه ياهنودة؟

ابتسمت هند وهي تمد يدها إلى ابنة خالتها لتتشابك الأنامل تشعر برغبة حقيقية في العلاج تستمد قوتها من حب رأته يحيطها ليكون الحب في هذا الوقت هو الداعم لها في محنتها. ابتسمت نبيلة وهي تضع يدها على أيديهم المتشابكة تقول بحب: توكلنا على الله.
وكفي بالله وكيلا. الفصل الخامس لسة برضه بتضايقك بكلامها؟
تنهدت هند قائلة: اتعودت خلاص ومبقتش تفرق معايا ياصفية، يمكن مرضى صغر كل حاجة في عينيا حتى كلام حماتي.
قالت صفية بحزن: ربنا يشفيكي ويعافيكي ياحبيبتي.
يارب. المهم سيبك مني وقوليلي مش آن الأوان تنزلي الشغل من تاني، ترجعي لحياتك وتشغلي وقتك عشان تنسى أحزانك.

ومن امتى الشغل بينسينا الحزن اللي كاسر قلوبنا ياهند؟ مش كل الحزن ممكن نمحيه من روحنا او نشغل بالنا عنه، أول ماهيضمنا الصمت هيحاوطنا بكل قوته ويعذبنا من أول وجديد.
وبعدين ياصفية؟ حالك مش عاجبني وانت قافلة كدة على نفسك، لا بتخرجي ولا بتشوفي حد.
ويعني انا اللي عاجبني حالك ياهند؟ قاعدة وراضية بعمايل حماتك وكلامها اللي زي السم.
أنا خلاص رجل جوة ورجل برة وهي حرة بقى، ذنبي في رقبتها.

ليه بتقولي كدة بس؟ هو انت مش بتاخدي الجلسات في ميعادها. يبقي هتروقي وهتبقي زي الفل.
تنهدت هند قائلة: صحيح باخذها ياصفية بس بفكر أوقفها.
انت اتجننتي؟ توقفي ايه بس؟ دي الأمل في انك تكوني كويسة.
أمل معطوب ومخيب للآمال ياصفية، فلوس بتنصرف على الفاضي ومفيش أي تحسن. ده حتى شعري بيقع جامد. وده مأثر جامد على نفسيتي، ده غير اني برجع من الجلسة أقعد يومين مش قادرة أرفع ايدي لودني.
ياحبيبتي ياهند، ياريت كنت أنا ومكنش صابك اللي صابك ده.
متقوليش كدة ياصفية ربنا يخليكي لطنط نبيلة.

على فكرة بقى انت واحشة خالتك ونفسها تشوفك ولولا محرمة دخولها البيت عندك من ساعة ما اتخانقت مع حماتك في آخر زيارة كانت جت وشافتك.
حماتي دي مش سايبة حد في حاله، ربنا يهديها بقى.
الصنف ده عشان يتعدل بيبقى عايز ياخد بالشبشب فوق سائل حيوياغه.
ده انا كنت اتطلقت فيها، هو انت مش عارفة غلاوة حماتي عند عادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى