تقيم مع خالتها سميحة مؤقتاً لحين التصرف في سكن لها ، و كم هي ممتنة للظروف التي جعلت ابن سميحة مسافر للخارج حيث يعمل هناك ، فهي لن تقبل العيش مع حاتم في مكان واحد دون رابط يجمعهم ، فألسنة الناس ستمطر بوابل من الكلمات الموجعة لها و السيئة بحقها ، و هذا لن ترضى به .
نزلت للأسفل بخطى سريعة لتلحق بصديقتها آلاء التي عملت معها مؤخراً ، و على حين غرة تم سحبها عند مدخل السلم ، و لم يكن سوى حاتم ، الذي قام بتثبيتها جيداً قائلاً بخبث :- إزيك يا بنت خالتي ، ليكي وحشة كبيرة كدة متسأليش ؟! أخذت تتحرك بعنف ، تحاول أن تفك أسرها فأردف هو بتحذير :- خليكي هادية كله دة لمصلحتك ، لو اتحركتي و حد خد باله هيبقى منظرك مش كويس .
قامت بعض يده ، و دفعته بقوة قائلة بحدة :- أنت قليل الأدب، و لو ما بعدتش من وشي دلوقتي هتشوف هعمل فيك ايه ! أنهت كلماتها و دفعته بسرعة وغادرت وهي تنفخ بضيق و غيظ منه ، ولم تكد تنهي سبابها حتى ظهر السمج الآخر في وجهها كالسد المنيع قائلاً بعبث :- صباح الفل و العسل على أحلى بنت في المنطقة . نفخت بغيظ ، و بداخلها مرجل يغلي ، بينما تابع هو بعبث ماكر :- إمتى هنول الرضا يا قمر ؟
جَعَّدَتْ أنفها بسخرية قائلة :- لما تشوف حلمة ودنك إن شاء الله . تخطته بسرعة قائلة بخفوت :- أوف إمتى ربنا يتوب عليا من الأشكال دي ، يا ساتر . بعد أن وصلت لنهاية الشارع قابلت صديقتها ، التي ما إن رأتها هتفت بحذر :- صباحو يا صاحبي ، مالك قالبة وشك كدة على الصبح ؟ هتفت بغضب :- صباح استغفر الله العظيم الواحد مش عاوز يغلط و ياخد ذنوب على الصبح ، هو في غيرهم جوز التيران اللي بلاني بيهم ربنا .
ضحكت بخفوت قائلة :- حد يقول للمعجبين بتوعه كدة بردو ! أردفت بضيق :- آلاء اسكتي الله يخليكي أنا على آخري لأحسن أسحب دراعك و أفش غلي فيه . وضعت يدها على ذراعها بحماية قائلة بخوف :- و على إيه أسكت أحسن أنا مش مستغنية عن دراعي حبيبي ، يلا بينا بدل ما مدام سندس تشلوحنا . أخذ يمسد على صدره بحرارة و هو ينظر في أثرها قائلاً بشر :- لا أنا مش هقدر أستنى أكتر من كدة تاني ، أنا لازم أتصرف ، و عرفت هعمل إيه ؟
قال ذلك ثم توجه ناحية حاتم الذي كان يسير و الغضب حليفه ، و هتف قائلاً بود مصطنع:- إزيك يا حاتم ؟ كدة يا صاحبي تخلي الشيطان يدخل بينا و يفرقنا ! هتف بتعجب :- أهلاً يا مدحت . توجها سوياً ليجلسا ، فأردف مدحت بندم ماكر :- متزعلش مني يا صاحبي على آخر خناقة بينا ، أنا مش عارف عملت كدة إزاي ، البقاء لله في الست الوالدة ، أنا عارف أنها جات متأخر بس يلا أهم حاجة النفوس تهدى .
هز رأسه بعدم اقتناع :- ولا يهمك يا مدحت إحنا صحاب بردو في الآخر زي ما قولت . أردف بمكر :- تعيش يا صاحبي ، احم هي بنت خالتك دي هتقعد رايحة جاية في الشارع كدة كتير يا حاتم ، أنا مش قصدي حاجة بس عيال الحارة عمالين يلقحوا عليها بالكلام وأنا بوقفهم عند حدهم ، بس أنت لازم تشد عليها دي ملهاش حد دلوقتي و الشيطان شاطر بردو . أردف بحدة :- قصدك إيه يا مدحت ؟
أردف بخبث :- ما أقصدش بس لأحسن حد يلعب في راس البت و يخليها تمشي في سكة اللي يروح ما بيرجعش ، أنا عاوز أتجوزها و هسكنها في أحسنها شقة و كله جديد في جديد ، و مش بس كدة أنا هقطع ورق الكمبيالات اللي عليك ها قولت إيه ؟ أنا عملت بأصلي و ما رضيتش أودي الكمبيالات للحكومة . زفر بضـ،ـجر قائلاً :- فيك الخير يا مدحت جميلك مش هنسهولك أبداً ، بس زي ما قولتلك أديني وقت وأنا هجمعهالك.
أردف بضيق :- كام مرة و بتقولي نفس البوقين . أردف بهدوء مغاير :- لا المرة دي جد ، أنا جاتلي مصلحة فيها قرشين حلوين هخلصها و أديلك اللي فيه النصيب . مط شفتيه بضيق قائلاً :- لما نشوف يا حاتم لما نشوف ….ثم تابع بداخله بوعيد :- و طالما أنتوا مش جايين بالذوق يبقى بالعافية . وصلن لمقر العمل ، و توجها لمكانهم ، استدعت سندس رحيق فتوجهت لها على الفور ، جلست قبالتها وهي تزفر بضيق مما حدث للتو ، فهتفت الأخرى بمرح :- براحة عليا يا ست رحيق مش قد النار اللي بتطلع من ودانك دي .
ابتسمت بخفوت قائلة :- لا أبداً دة بس متهيألك . سحبت نفساً عميقاً و زفرته بضيق قائلة بعتاب :- رحيق عاوزاكي تعرفي إنك بقيتي زي أختي بالظبط و الشركة دي كبرت بيكم وكلنا واحد ، أنا حساكي لحد دلوقتي بتتعاملي معايا بتحفظ و كأني هعمل فيكي حاجة وحشة لا سمح الله ، يا ريت يكون في ثقة متبادلة بينا ، أنا شايفاكي متضايقة و كنت حابة أعرف مالك علشان لو أقدر اساعدك . ابتسمت لها بامتنان قائلة :- دة شئ يشرفني إنك تبقي أختي والله .
أردفت بحيرة :- أومال مالك ؟ ذمت شفتيها بضيق طفولي قائلة بتحذير :- و مش هتضحكي عليا ؟ هزت رأسها بنفي، فضيقت عينيها قائلة بخجل :- أصل …. أصل كنت فاكراكي هتستدرجينا و تخطفينا و تسرقي أعضائنا ولا تعملي فينا أي حاجة وحشة . ما إن أنهت كلماتها الحمقاء ، دلفت الأخرى في موجة ضحك عنيفة ، و سرعان ما شاركتها الأخرى الضحك ، أردفت سندس بصعوبة :- بجد مش معقولة ، دماغك دي تحفة ..
هزت رأسها بموافقة قائلة بمرح :- معلش بقى خالتي الله يرحمها ملت وداني بالكلام دة ، كل ما أطلع ” أوعي تكلمي حد غريب يا رحيق ، ولا تاخدي منه حاجة ” ، لحد ما خلاص خلتني أشوف أي حد غريب شرير ، و بصراحة عندها حق مفيش أمان دلوقتي في الزمن دة . أومأت بموافقة قائلة :- أيوة فعلاً دلوقتي الله أعلم بنوايا البشر ، ممكن يظهرولك طيبتهم و هما جواهم بلاوي ربنا يبعدهم عننا ، و دلوقتي يا ستي عندي ليكي خبر حلو حبيت أشاركك فرحتي .
نظرت لها بحماس فأردفت الأخرى بابتسامة عذبة :- شركة Master East اتعاقدت معانا ضمن حملتها اللي بتساعد الشركات الصغيرة تكبر . قدمت لها التهاني الحارة ، فأردفت سندس بفرح :- يلا بقى علشان تجهزي لبكرة علشان هتروحي معايا هناك نوقع العقود . أشارت لنفسها بعدم تصديق قائلة :- أنا ؟! أنا هروح معاكي ! ضحكت بخفة قائلة :- أيوة إنتي أومال مين ! يلا جهزي نفسك لبكرة . نظرت لملابسها قائلة بخجل :- بس …بس أصل مش هينفع ، هبوظلك منظرك قدام الكل هناك .
قطبت جبينها باستنكار قائلة :- نعم ! تبوظي إيه بس يا رحيق ! كدة هزعل منك ، و يا ستي لو على اللبس نطلع دلوقتي على أحسنها معرض فيكي يا مصر و نجيبلك هدوم ، و قبل ما تعترضي هخصم حقه من مرتبك . هزت رأسها بموافقة قائلة :- إذا كان كدة ماشي أنا موافقة . ضحكت بخفة قائلة :- أيوة كدة فكي يا ستي من قوقعتك دي . أردفت بمرح :- كدة ! إنتي اللي جبتيه لنفسك .
طالعتها بخوف مصطنع قائلة :- لا كدة إنتي هتخوفيني منك ، هبقى أقول لآلاء و أفهم دماغك علشان أعرف أتعامل معاكي كويس . أردفت بضحك :- متبقيش جبانة و واجهيني أنا وش لوش يا كبيرة . ضحكت بصخب قائلة :- لا دة إنتي مصيبة ، بقولك إيه أرجعي أرجعي للبنت المتقوقعة على نفسها كدة أريحلي . هزت رأسها بنفي قائلة :- لا مليش دعوة مش إنتي قولتي رحرحيها متجيش تشتكي بعدين . قطبت جبينها بتعجب قائلة :- رح… إيه ؟! إنتي قولتي إيه من شوية ؟
ضحكت بخفوت قائلة :- واحدة واحدة و هتاخدي على كلامي أصلنا مش تربية جاردن سيتي ، يلا هسيبك بقى ، بس متقوليش لحد إني رايحة معاكي . نظرت لها بتعجب لتكمل موضحة :- علشان محدش يرشقلي في المصلحة وأنا بصراحة نفسي أروح معاكي و أشوف الناس النضيفة . ت يديها ببعضهما بقلة حيلة قائلة :- لا إنتي شكلك اتجننتي رسمي ، روحي شوفي شغلك وعلى معاد المرواح هاخدك نروح زي ما اتفقنا . أردفت بحماس :- ماشي وأنا هروح أقول للبت آلاء مش خسارة فيها الخبر .
خرجت مسرعة ، وهزت الأخرى رأسها قائلة بضحك خافت :- والله مجنونة . ليلاً كانت حبيسة غرفتها مع طفلها ، الذي كان يجلس إلى جوارها يلعب بلعبه، فاستدار لوالدته حينما سمع منها شهقة فشلت في كتمها عنه ، فوضع يده الصغيرة على وجنتيها يمسح دموعها ببراءة قائلاً :- ماما ليه بتعيطي ؟ بطنك وجعاكي ؟ هزت رأسها بنعم قائلة :- أيوة يا حبيبي بطني وجعاني . قبَّل الصغير موضع ألمها المزعوم قائلاً :- أنا بوثتها يا ماما علشان تخف بثرعة .
ضمته بحب قائلة :- حبيبي أنت يا ميدو ربنا يباركلي فيك يا روحي ، يلا تعال كمل الحروف بتاعتك علشان تبقى شطور و أجبلك لعبة جديدة حلوة . صاح بحماس :- هااااي ماشي يا ماما هعمل الواجب كله . بالخارج كانت تضع يدها على وجنتها و دموعها تتساقط بغزارة وإلى جوارها أيوب وابنه اللذان يغليان من شدة الغضب ، هتف أيوب بغضب مكتوم :- قومي شوفي بنتك و اعرفي منها اللي حصل هناك بدل ما أقوم أها ، سبحان من صبرني و متهاش .
هتف محمود بغضب عارم :- أنا مش عارف يا بابا إزاي تدي كلمة لأخوك إنك متقربلهاش دة بدل ما نقوم نخلص عليها و نمنع الفضيحة. غمغم بسخط :- محمود خلاص أنا هتصرف و هقوم أقررها بنفسي . نهضت والدتها بذعر قائلة :- لا لا خليك أنا اللي هتكلم معاها بس هدي حالك الله يخليك. نهضت بسرعة لترى ابنتها و تحميها من هذين اللذين كما لو تحولوا إلى ذئاب برية تريد الفتك بفريستها .
ولجت بهدوء ، و جلست قبالتها ، و تطلق سهاماً مليئة بالاتهام و العتاب ، نظرت للصغير قائلة بحنو :- أحمد يا حبيب تيتة روح برة عند خالك محمود و جدو أيوب . هز رأسه برفض قائلاً :- لا لا جدو أيوب بيزعق و خالو كمان ، أنا هقعد هنا مع ماما . أردفت بروية :- لا جدو أيوب معاه شيكولاتة كتير .. لمعت عينا الصغير بحماس قائلاً :- و شيبثي ؟ أردفت بابتسامة باهتة :- و شيبسي يلا تعال هفتحلك الباب .
انزلق الصغير من على الفراش بسرعة ، ثم توجهت و فتحت له الباب وخرج فأغلقته و استدارت لتتوجه نحو تلك الغائبة ، التي يبدو أنها بعالم آخر صنعته خصيصاً لها لتهرب من كل ذلك الضجيج.
جذبتها من ذراعها بقسوة قائلة بغضب مكتوم :- عملتي كدة ليه يا بت بطني ، هي دي الرباية اللي ربتهالك ، هي دي جزاتي ، ردي عليا ردي ، هان عليكي تحطي راسنا في الوحل كدة ، أبوكي ليه الحق أنه ما يطلعكيش ، يا خسارة يا مؤمنة طيب كنتي وافقتي على واحد من العرسان اللي اتقدمولك بدل ما أنتي كدة رايحة تعملي الوساخة دي في الحرام . هتفت بدموع و وجع :- والله يا ماما مظلومة محصلش حاجة من دي أبداً ، حرام عليكم ، كلامكم زي السكين بيوجع و ي ، مش قادرة أتحمل كفاية .
هدرت بعنف :- طيب اتكلمي قولي إيه اللي وداكي هناك ؟