النمر الجامح لاميره نور1

انت في الصفحة 3 من 19 صفحات

عيار 24: حوالي 4220 جنيهًا للجرام. عيار 21 (الأكثر تداولًا): حوالي 3690 جنيهًا للجرام. عيار 18: حوالي 3165 جنيهًا للجرام. الفصل الثاني
(النمر الجامح)
استدارت بخوف فلقد فزعت من الصوت الغاضب؛ حاولت أن تبين قوتها وتصرخ وتقول بأنها تبحث عن عديم الأخلاق الذي تسبب في جعل ملابسها تتسخ، إبتلعت ما في حلقها بهدوء ثم وبيدها أشارت نحو السيارة وقالت بجدية:
_بشوف أرقام العربية دي..!
رفع حاجبه بصدمةٍ؛ واضعًا أنامله على أنفه مانعًا ظهور ابتسامته الساخرة، لوى فمه قبل أن يقول باستهزاء:
_عينوكي إمتى في المرور حضرتك
استدرات له رافعة رأسها وبتحذير قاتل وضعت سبابتها نحو وجهه قبل أن تقوله :

_مش مسموح ليك أبداً تكلمني بالطريقة دي إنت متعرفنيش وبعدين إنت مالك شكلك خدام هنا أو من الأمن…
لم يستطيع أن يمنع نفسه من الضحك، تقدم خطوتان فقط نحو السيارة ثم فتحها وجلس بها ليبدأ في تحريك مكبحها تحت نظراتها المذهولة، تيقنت بأنه هو عديم الأخلاق، جذت على نواجذها بانزعاج قائلةً بانفعال:
_يعني إنت عديم الأخلاق اللي بوظ لي هدومي الصبح وبوظ يومي.
استغرب من حديثها فرد بـ:
_هدوم إيه إنتي شكلك هبلة..!
ثم توقف عن الحديث ليبحث عن أي شخص من الأمن ولكنه عاد يحدق بها حين سمعها تقول بحد:

_ الصبح في حدود الساعة تسعة قدام مقر الصحافة اللي بشتغل فيه حضرتك وبعربيتك اللي كنت بتسوقها بسرعة خليت هدومي عبارة عن مية متوسخة من الشارع.
تذكر الطريق الذي سار منه بأقصى سرعة وجاء المشهد في مخيلته مرة ثانية حيثُ أن الحارس قال له بأن سرعته جعلت الماء تأتي على أحدهم ولكنه لم يبالي لهذا قط.
فاق من التفكير فيما حدث، تأفف قليلاً وبعدها قال ببرود:
_والمطلوب يعني.
_الإعتذار اتفضل إعتذر
قالتها “ملاك” بكبرياء ولكنه صدمها بما فعل حيثُ قال:
_ والله تصدقي إنتي بتحلمي بحاجات إنتي سخنة صح..!

_ها ها ها لا مش سخنة ولا بحلم…
رفع حاجبه بتحدي وقال:
_ أصلي إفتكرتك سخنة بصي بقى أنا مش هبرر موقفي ومش هعتذر واللي عندك أعمليه.
فتحت فاهها باندهاش من أسلوبه، ظنت بأنه سيقول لها آسف ولكنه بالفعل كما لقبته عديم الخلاق، تمنت لو قابلت والديه حتى تعانفهم على تلك التربية المنحطة التي يتمتع بها ابنهما، فاقت على صوته الخشن قائلاً بصلابةً:
_وقفتي واتكلمتي ورغيتي كتير وصدعتيني وفي الآخر معرفتش جاية هنا بصفتك إيه ومين.

تنهدت بقوةٍ وحاولت ألا ترد بعدم إحترام، كانت تصبر نفسه بأن أخلاقها غيره تمامًا فيجب أن تتعمل بأدب حسب بيئتها التي ترعرعت بها:
_أنا صحفية من جريدة (……) وجاية أغطي أحداث العزاء…
أومأ برأسها وأردف بجمود :
_والله لبستي وجيتي على الفاضي ومفيش جديد عزاء زيه زي أي عزاء هتكتبي مين كان موجود بصي مش بحب أخليه حد ينقطع عيشه روحي خديلك كام صورة وأمشي وياريت ماشوفش الخلقة اللي عكرت مزاجي أكتر ماهو متعكر…
لقد نفذ صبرها التي قيدته حتى تتعامل معه، ولكن عجرفته زادت، وذوقه المنحط أصبح في مقياس النملة،ضعطت على أنيابها وقالت بكره:

_ بجد إنت قليل الذوق ومش محترم
_شكراً من ذوقك
كان هذا رده عليه بكل استفزاز، جعلها تضـ,ـرب قدمها بالأرض كالأطفال، جاءت حتى ترحل من أمامه ولكنه قال ببرود وكأن حديثه جاء من لوح ثلج كبير:
_ اه نسيت أقولك
استدارت حتى تسمع ما سيقوله ولكنها تفاجئت بكلامه المستفز:
_جزاكي الله الخير يا أختاه صحيح اسمك إيه ولا مش مهم هسميكي الرغاية الغاضبة حلو الاسم ولايق عليكي.

تمنت لو تقتـ,ــ,ـله ويكون هذا العزاء لفردتان وليس لفرد، وتكتب حادث إيذاء في أول صفحات الجريدة وستكبر العنوان كفتخار بنفسها على ما فعلته…
كورت يديها بانزعاج شديد، ولكنها لم تقول ولم تفعل شيء، تركته ورحلت من أمامه…
أردف بضيق:
_صنف معفن الحمدلله إنك مدخلتيش مزاجي وإلا إيه يخليني أستحمل ليلة كاملة معاكي يا رغاية هانم…
انسحب من جانب سيارته، وعاد يقف مع “مالك” الذي قال باستفسار:
_ في إيه يا “جبل”؟

كنت فين كل دا بقالك نص ساعة لحظت إنك كنت واقف مع بنت بالله لو دي واحدة جديدة عاوزها بلاش النهاردة بالذات موت جدي مش عاوز يحصل حاجة وحشة فيه
هز”جبل” رأسه بهدوء ليقول بعد ذلك بحزن:
_ هو مش جدك لوحدك يا “مالك” وحزنك قد حزني متقلقش…
………………………………………….
كانت تجوب المكان يمينٍ ويسارًا؛ تبكي بشدة على ما حدث معها، خمس عشر عامًا وهي بتلك المصح النفسي برغم من أن عقلها سليم من أي مضعفات؛ تنهدت بقوة مخرجة زفيرها بضيق شديد يحمل نيران الانتقام، التفتت لتلك التي تقول لها بنبرة تساؤل :

_ مدام “فوقية” قولي لي إيه اللي خلاكي كل دا هنا برغم من إن عقلك سليم تمامًا
ابتلعت “فوقية” ما في حلقها؛ هذه السيدة شديدة الجمال عيناها وبرغم علامات الحزن والخذلان التي تحملهم مازلت تسحر من ينظر لهم، حاولت ألا تبكي حيثُ أنها أجبرت دوعها أن تجف.
تكلمت أخيرًا ولكن بقسوة ردت بـ:
_القسوة والجبروت رموني هنا أنا عقلي سليم حاولت وبرغم من دخولي للمكان دا أخليه سليم لكن نفسيتي صفر في المية كان ممكن اتجنن بس مسكت نفسي وفي كل يوم مر هنا كنت بقول هطلع عشان اللي بيحبوني بس متوصي عليا إني مطلعش وأفضل هنا.

ابتسمت لها الطبيبة وقالت:
_إزاي دا إنتي مسموح ليكي تخرجي طالما عقلك سليم
قهقهت “فوقية” بسخرية وعادت تتحدث بنبرة ثقة:
_كل واحد بيشتغل هنا بياخد فلوس عشان ابقى مجنونة مدير المتشفى قابض ومقبضهم حاولوا كتير عشان ابقى مجنونة أخدت جلسات كهرباء بس عشانهم بقيت بعافر عشان ماتجننش
صمتت قليلاً حتى تخرج زفيرها ثم تكلمت متممة ما كانت تقوله ولكن بنيرة بها نغزة قاتلة متيقنة ما سيحدث:

_بتبصي كدا ليه وفري دموعك اللي في عينك كل دكتور قعد مكانك كانت شفقته بتقتـ,ــ,ـلني وفي الآخر كان بيبقى زيهم بيكتب مجنونة مية في المية وينكتب عليا حبسة جديدة ودا اللي هتتجبريه عليه يا دكتورة
قامت الطبيبة “لميس” تلك الفتاة السمراء التي تتميز بطيبة قلبها، جلست بالمقعد المقابل لها ومدت يدها قائلةٍ بوعد :
_أقسم بالله العظيم ولو هخسر فيها مهنتي لهساعدك وهكون زي بنتك اللي مش هتوافق إن أمها تكون مكانك دا وعد مني والله
مالت عليها “فوقية” لتهمس بنبرة ساخرة بـ:

_كلهم قالوا كدا والمرة دي أنا واثقة إنك زيهم رني الجرس خلي الممرضة تيجي تاخدني خليني أروح أوضي مستسلمة للوضع اللي أنا فيه مش مستعدة أخد جلسة كهرباء.
حاولت بكل قوتها أن تقنعها ولكن فشلت كل الطرق، قامت “فوقية” من مكانها ورحلت تحت أنظارها المذهولة…
تنهدت “لميس” بتعب وقالت بثقة:
_طول ما فيا نفس بيطلع مني هحافظ على حلفاني اللي قولته أما إتخرجت وصدقيني مش هسمح بأي لحظة ظلم…
……………………………………………..

في العزاء الخاص بـ ال عزمي
بداخل صوان النساء، كانت “دنيا” صامتة لا تبكي وكأنها دخلت في ذهول عصبية جعلتها هكذا، حاول الجميع التحدث معها حتى والدتها قالت بحزن:
_ يابنتي عيطي إتكلمي قولي حاجة
كانت “ملاك” تراقب أفعالهم، تسمع همهمات الحضور وتسجلهم بداخل عقلها، شعرت بأن “دنيا” تقترب من الحالة التي وصلت لها في موت أبويها، استدارت بتركيز حين سمعت صوت طفولي صغير يصرخ بحنو:
_”دنيا” عشان خاطري إتكلمي عشاني فوقي أنا مليش غيرك جدو راح الجنة ليه بتعذبيه كدا.

حاولت “ملاك” ألا تبكي على حال الفتيات، أخرجت زفيرها بحنق، بدأ الضيوف يرحلوا، وأوشك العزاء على الانتهاء ومازالت “ملاك” جالسة لا تريد أن ترحل، شعرت بأنها يجب أن تمد يد المساعدة لتلك الفتاة، يجب أن تصبح صديقتها فالوحدة التي تشعر بها كوحدتها فإذا شاركتها ممكن أن تتعالج، لا تريد أن تجعلها تمر بنفس الأيام التي مرت بها.
إقتربت منها وبدأت تتحدث:
_”دنيا” تعرفي اللي اسمك في معنى
رفعت “دنيا” رأسها، مما جعل “ملاك” تواصل حديثها بدعم:

_أيوا إنتي دنيا لناس كتير هنا مامتك وأختك وابن عمك وصحابك حتى أنا اللي منعرفش بعض حساكي دنيا ليا
من تلات سنين بابا وماما ماتوا يعتبر العيلة خلصت مفضلش فيها غيري أصبحت وحيدة تماماً بس رجعت وفوقت عشان كان ورايا حلم وورايا مربية خلت عمرها كله عشاني ماسبتنيش ولا لحظة قومي عشان أي نقطة ليكي في الحياة عاوزاكي لو اتكسرنا في كل حزن صدقيني يبقى ولا لينا لازمة كل واحد منا له سببب في الحياة وطالما إنتي فيكي نفس يبقى تقدري تنجي وتعيشي وتساعدي وأسباب وجودك لسه مخلصتش فخليكي دايما قوية…
دمعت عين “دنيا” بقوة، بل إنهرت بتلك اللحظة

أسرع “مالك” لها والذي سمع حديث “ملاك” وكان معه “جبل”
حملق بها قبل أن يأخذ إبنة عمه في أحضانه قائلاً لها بشكر:
_شكراً ليكي يا…
توقف عن حديثه حيثُ أنه مازال لا يعرف اسمها، مما جعلها تبتسم وتقول:
_ “ملاك” صحفية في جريدة(……) جاية أغطي أحداث العزاء وصدقني أنا معملتش غير اللي لو حد في مكاني هيعمله و”دنيا” بجد مشكلتها زيي
أنهت كلامها بعد أن ختمته بـ:
_همشي أنا بقى لإني إتاخرت عن إذنكوا
ابتسم لها “مالك” مما استفز “جبل” الذي قال بغيظ:

_سبحان الله ما إنتي ذوق أهو وبتتكلمي حلو أمال معايا عاملة زي الرغاية الغاضبة ليه…
بدأ الجميع يراقب نقاشهم، تأففت “ملاك” ثم وضعت سبابتها بوجهه وقالت ببرود:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى