نبض ع شاشة السونار اسما السيد

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

روحت لوحدي اعمل سون*ار اطمن عالبيبي بعد رفض جوزي يجي معايا للمره اللي مبقتش اعدها لقيته داخل يجري ويصرخ وقدامه واحده وبيقول الحقوني مراتي بتولد… كانت نورسين قاعدة على طرف السرير، إيديها ماسكة طرف طرحتها بعصبية، وعينيها معلقة في الساعة اللي فوق التسريحة. عقاربها بتتحرك ببطء يجنّن، ومحمود قاعد على الكرسي قدام التلفزيون، ماسك الموبايل، سنانه بتعض في شـ,ـفايفه من غير ما يحس. قالت له للمرة يمكن العاشرة في اليوم ده:
– “محمود، عندي سون*ار النهاردة الساعة ٦… ما تنساش.”

من غير ما يرفع عينه من على الشاشة، رد بنبرة باينة فيها البرود:
– “ما قولنا ما اقدرش أنزل بدري من الشغل، روحي مع ماما.” سكتت ثانية، بلعت غصّة في حلقها:
– “ماما عند خالتي في المستشفى، مفيش غيرك.” تنهد، وزفر نفس طويل كأنه متضايق من مجرد النقاش:
– “يا بنتي ده كشف روتيني، مش كل سون*ار لازم أكون معاكي… ما تكبّريش الموضوع.” الكلمـ,,ــات دخلت قلبها زي سكـ,,ــــينة.
هو مش فاهم إن كل مرة بتروح فيها لوحدها بتحس إنها شايلة الدنيا كلها على كتافها؟
مش فاهم إن ده أول طفل؟ وإن كل دقيقة بتعدّي وهي مش مطمّنة بتبقى جـ,ـرح جديد؟

قامت من على السرير بسرعة، دخلت الحمّام تغسل وشها عشان تخبي دمعتين نزلوا غصب عنها. وهي قدام المراية شافت نفسها: وشها شاحب، عينيها منتفخة شوية من قلة النوم، وبطنها اللي بدأت تكبر وتعلن عن وجود حد جديد في حياتهم، حد المفروض يكون سبب قربهم مش بعدهم. تمتمت لنفسها:
– “إيه اللي حصل بينا يا محمود؟” — من أول ما اتجوزوا، محمود كان حنين، بيخاف عليها من الهوا، يزعل لو اتأخرت في الرد على تليفونه، يسيب شغله ويروح لها لو بس قالت “مش مظبوطة”.
بس أول ما حملت… الدنيا اتشقلبت.

كان حاسس بمسؤولية كبيرة. أرقام في دماغه: مصاريف، لبس البيبي، دكتور، مستشفى، لبن، حفاضات، شقة أكبر بعدين، وعربية يمكن…
كل ده حوّله من زوج عاشق لزوج عملي زيادة عن اللزوم. بقى شايف إن أفضل طريقة يحبها بيها إنه “يوفر ويحوش”، وينسى إنها محتاجة الحضـ,,ــــن قبل الفاتورة، والكلمة الحلوة قبل الفلوس.

نورسين ما كانتش شايفة ده. هي شايفة بس إنه بطل يهمه الشغل، ويهرب من اللحظات اللي المفروض يعيشها معاها. أول مرة راحت سون*ار من غيره كانت في الشهر الثالث، قالت “ماشي، معلش، الظروف”.
تاني مرة قالت “ربنا يسامحه”.
ثالث مرة ابتسمت للدكتورة وهي جوّا بتموـ,,ــــت من جواها.
رابع وخامس… لحد ما بقت ما بتعدش. — جِه اليوم ده.
نورسين لبست عباية واسعة، حطت شال خفيف على راسها، وخبّت عيونها بتحديد خفيف عشان تخفي التعب.
مسكت شنطتها، وقفت في نص الأوضة، بصّت له.
كان لسه على الموبايل.

– “أنا نازلة يا محمود.”
– “ماشي، طمنيني.”
– “ولو الدكتور قال حاجة؟”
– “هيقول إيه يعني؟ إن شاء الله خير. ابعتيلي على واتساب.” شعرت إن الكلمة وقعت زي حجر. واتساب!
بقيت لحظاتهم تُعاش على شاشة موبايل، مش في نفس الأوضة. خرجت من الشقة، والسلم كأنه أطول من العادة. قلبها تقيل، بس رجليها بتتحرك غصب عنها. ركبت الأسانسير، نزلت، ومسكّت بطنها بحنان:
– “ما تخافش يا حبيبي، ماما معاكي… حتى لو بابا مش فاضي النهاردة.”

حست بنبضة جوّا كأن البيبي بيرد عليها. ابتسمت غصب عنها. — في العيادة، ريحة المعقمـ,,ــات والبرد. ستات قاعدين في الاستقبال، بعضهم ماسك بطونهم، وبعضهم شايلين أطفال بيعيطوا. أصوات خفيفة، همس، أرقام تُنادى، وشاشة صغيرة بتلمع عليها أسماء. جلست على كرسي في الركن، حاضنة شنطتها كأنها بتتحامى فيها. الممرضة نادت:
– “مدام نورسين محمود!” قامت، دخلت أوضة السون*ار.
الدكتورة كانت شابة، مبتسمة، نظارتها على طرف أنفها:
– “عاملة إيه يا نورسين؟ جاهزة تشوفي البيبي؟” ابتسمت بتوتر:
– “جاهزة… بس لو ينفع نطمن على كل حاجة النهاردة بالتفصيل.”
– “أكيد، إنت في الشهر الكام دلوقتي؟”
– “التامن.”

نامت على السرير، رفعت العباية شوية، حست ببرودة الجل على بطنها، وبدأت الدكتورة تحرك الجهاز. سكون.
ما فيش غير صوت جهاز السون*ار وهو بيعمل “بييب” خفيف.
وعينين نورسين معلقة في الشاشة.
الدكتورة قالت بابتسامة:
– “ما شاء الله… شايفاه؟” على الشاشة كان في كائن صغير جداً، بس عظيم جداً، مكوّر، رجله الصغيرة واضحة، إيده بتتحرك حركة بسيطة، وقلبه… قلبه كان بيخفق بسرعة، صوت النبضات بيملأ الأوضة. – “اسمعي…” وبدأ صوت “دوم دوم دوم دوم” السريع يرن في ودنها.
عينها غرقت بالدموع:
– “ده… ده قلبه؟”
– “أيوه، قلبه… وصحته كويسة، والحجم ممتاز، والوضع طبيعي.”

كانت لحظة مقدسة، لحظة بيختلط فيها الخـ,ـوف بالحب، القلق بالإيمان. لحظة كانت تتمنى إن محمود يكون جنبها فيها، يمسك إيدها، يضغط عليها لما يسمع صوت النبض لأول مرة. أغمضت عينيها، وسرحت:
تخيّلت محمود واقف جنبها، ماسك إيدها، يضحك ويقول: “ده ابني! سمعتي نبضه؟ ده ابني!”
بس لما فتحت عينيها ما لقيتش غير الدكتورة، والسقف الأبيض. —

في نفس اللحظة، في مكتب صغير في شركة مزدحمة، محمود كان قاعد على مكتبه. المكتب مليان أوراق، وشاشة الكمبيوتر مفتوحة على جدول طويل من الأرقام. زميله شريف دخل، قعد على طرف المكتب وقال له:
– “إيه يا عم، وشك مصفّر كده ليه؟”
– “ولا حاجة… صداع بسيط.”
– “مش من قلة النوم، من قلة الفرح… مراتك حامل، ومخه مشغول في الفواتير بس؟” محمود ضحك ضحكة باهتة:
– “يا عم إنت مش فاهم… أنا لو ما حسبتشهاش صح، بكرة نغرق.”
– “بس لو فضلت تحسبها كده، هتخسر حاجة أهم من الفلوس.”

الكلمة دي وقفت في ودنه.
خسران إيه؟
هل هو فعلاً بيخسر نورسين من غير ما يحس؟ في اللحظة دي، موبايله رن. رسالة من نورسين: > “دخلت للدكتورة… هدخل على السون*ار دلوقتي.” مسك الموبايل، وبدأ يكتب: > “تمام حبيبتي، طمنيني.” بس ما بعتهوش فوراً. فضل باصص في الشاشة. فجأة تخيّل وشها وهي لوحدها في الأوضة الباردة، على السرير، والجل البارد على بطنها. تخيّل إيديها وهي بتدوّر على إيده عشان تمسكها وما تلاقيهاش.

حس بحاجة بتخنقه. حاجة بين الندم والذنب.
قام فجأة من على الكرسي.
شريف سأله:
– “رايح فين؟”
– “مراتي… عندها كشف دلوقتي، ولازم أروح.”
– “طب الشغل؟”
– “الشغل كتير… بس اللحظة دي مش هتتكرر.” خرج من الشركة يجري، نسي شنطته، نسي الورق، نسي كل حاجة. — في العيادة تاني، الدكتورة قالت:
– “إنتِ كويسة؟ شكلك متوتر شوية.”
– “خايفة بس… كل مرة بأجيلك لوحدي بحس إن في حاجة ناقصة.” الدكتورة بصّت لها بتعاطف:
– “جوزك مشغول؟”
– “هو… آه، بس أوقات بحس إنه مش عايز يواجه المسؤولية.”

سكتت الدكتورة لحظة، وبعدين قالت:
– “عارفة، الرجالة ساعات بتخاف أكتر مننا، بس بيعبّروا بطريقة غلط… بالهرب.” نورسين ضحكت بسخرية ناعمة:
– “بس الهروب وجع… وجع أوي.” — محمود كان بيقطع الشوارع جري، بيعدّي بين العربيات، نبضه بيعلى مع كل خطوة.
في دماغه مشاهد سريعة: يوم كتب الكتاب، لما شافها أول مرة بفستان أبيض بسيط وعينين بتلمع. ليلة دخلتهم لما كانت بتترعش من الخوف وهو بيطمنها. أول مرة قالت له “حبيبى أنا حاسّة إني حامل”.
وبعدين صوتها وهي بتقول “روح معايا يا محمود”.
وهو بيرفض.

وصل قدام العيادة.
طلع على السلم اتنين اتنين، وهو نفسه مقطوع، قلبه بيدق بسرعة. — فجأة، وهو داخل، سمع من جوّه صوت ممرضة بتقول بقلق:
– “دكتورة، في تقلصات زيادة شوية… أنا حاسّة إن في حاجة بتحصل.” كلمة “تقلصات” وقفت في قلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى