نبض ع شاشة السونار اسما السيد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

فتح الباب على الاستقبال، والكل اتفاجئ بيه داخل يجري، عينه بتدوّر على نورسين.
صرخ من غير ما يحس بصوت عالي:
– “الحقوني! مراتي بتولد!” اللي قاعدين بصوا له، الممرضة وقفت مذهولة.
– “مين مراتك؟”
– “نورسين! نورسين محمود! عندها سون*ار دلوقتي جوّه!” الممرضة اتلخبطت لحظة، وبعدين جريت على أوضة السون*ار.
الدكتورة كانت لسه بتطمنها، لكن فعلاً بطنها بدأت تشد، ونورسين قالت بتوجع:
– “آه… في وجع غريب ماسكني من تحت…” دخلت الممرضة بسرعة:
– “دكتورة، جوزها برّه بيقول إنها بتولد!”

الدكتورة رفعت حاجبها بدهشة:
– “بتولد إيه؟ إحنا لسه في التامن… بس استنى…” ركزت أكتر، حطت الجهاز، سألت نورسين:
– “بتحسي بتقلصات بتيجي وتروح؟”
– “آه… من امبارح بس كنت فاكرة ده مغص عادي.” وش الدكتورة اتغيّر شوية:
– “يا بنتي ده ممكن يكون ولادة مبكرة! لازم نتصرف حالاً.” — دخل محمود من غير ما يستأذن، أول ما شافها على السرير، عينيها مليانة دموع، وبطنها مكشوفة، حس الدنيا كلها بتتلخبط.
– “نورسين!” هي أول ما شافته، عينها اتسعت، بين الدهشة والراحة والغضب في نفس الوقت:
– “إنت هنا؟”

قرب منها، مسك إيدها بقوة، كأنها طوق نجاة:
– “آه، أنا هنا… آسف، آسف إني ما كنتش معاك من الأول.” الدكتورة قالت له بسرعة:
– “لو سمحت، إهدى… مراتك عندها تقلصات ممكن تكون بداية ولادة مبكرة، لازم ننقلها المستشفى فوراً.” الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.
ولادة؟ دلوقتي؟ في الشهر التامن؟
حس ركبته بتتهز. – “طب… طب هو… البيبي كويس؟”
– “لحد دلوقتي النبض كويس، بس ما نضيعش وقت.” —

العربية الإسعاف كانت واقفة تحت بعد أقل من دقائق، نورسين على النقالة، محمود ماسك إيدها، مش راضي يسيبها ثانية.
وهي في طريقها للمستشفى، كانت الدموع بتنزل من عينها، بس مش عارفة هل من الخوف ولا من الراحة إنه أخيراً جنبها؟ قالت بصوت متقطع:
– “كنت عايزة اللحظة دي… بس مش بالشكل ده.”
– “أنا الغلطان… أنا كنت مفكّر إني لما أشتغل وأوفّر أبقى كده بعمل الصح، بس نسيت إن الصح إنّي أكون معاكي… جنبك.”
– “ليه مجيتش معايا من الأول؟”
– “خفت… خفت من المسؤولية، وخفت عليك… وخفت من نفسي… بس اكتشفت إن خوفي الحقيقي إنّي أخسرك.”

هي بصّت له، ومسكته من إيده بقوة:
– “متسبنيش تاني.”
– “مش هسيبك… ولا ثانية.” — في المستشفى، الدكاترة اتجمعوا، فحوصات، تحاليل، دخول أوضة ولادة استعداداً.
محمود واقف برا الأوضة، لابس لبس التعقيم، إيده بتترعش وهو يعدي صابع بإيده التانية.
كل ما يسمع صرخة من جوه يحس إن قلبه بيتقطع.
شريف اتصل عليه:
– “إنت فين يا عم؟ المدير بيسأل.”
– “في المستشفى… نورسين هتولد بدري.”
– “يا ساتر… طمنا عليها بس.” سابه، وفضل يدعي:
– “يا رب… يا رب ما تحرمنيش منهم… يا رب لو قصرت سامحني، بس اديني فرصة أصلح.”

— جوه أوضة الولادة، نورسين بتحارب بين الألم والخوف، والدكتورة فوق رأسها بتشجعها:
– “شدّي نفس… كمان شوية، إنتي شاطرة، البيبي قريب جداً.” في لحظة، وسط الألم، افتكرت أول مرة حلمت إنها تبقى أم. كانت صغيرة، بتلعب بالعرايس، تقعد تسرّح شعرهم، وتنيمهم وتقول “شووو… نامي يا بيبي”.
افتكرت لما قالت لمحمود:
– “نفسي في بيت صغير وبيبي يملاله.”
وهو ضحك وقال:
– “هيبقى أحلى بيت، وأجمل بيبي.” دمعة نزلت من عينيها، وبصوت مبحوح قالت:
– “ما تخذلنيش يا محمود… ما تسبنيش.”

الدكتورة افتكرت جوزها اللي كان واقف برّه، المنهار، وقالت لها:
– “هو مستني برّه ومرعوب عليكِ… صدقيني بيحبك.” — بعد دقائق طويلة، صرخات، تعب، عرق…
سُمِع فجأة صوت صرخة تانية، بس دي مختلفة.
رفيعة… نقية… أول بكاء لروح جديدة. الدكتورة ابتسمت:
– “ما شاء الله! بنت… جميلة.” نورسين انهارت في بكاء صامت، ووشها بقى مبلول بالدموع والعرق:
– “سمّوها… سمّوها إيه؟” الدكتورة سألت:
– “متفقين على اسم؟”
– “كنا… كنا بنفكّر في اسمين، بس ما اتفقناش… نستنى محمود.”

— برّه، محمود سمع صوت البكاء. وقف، قلبه نط من مكانه.
ممرضة خرجت بابتسامة:
– “مبروك يا بابا… ربنا رزقك ببنت.” الكلمة دي “بابا” دخلت قلبه جوّه، عملت صوت، خبطت في كل الجدران اللي بناها حوالين مشاعره.
– “بنت؟”
– “أيوه، وبصحة كويسة، ومراتك كمان الحمد لله، بس محتاجة ترتاح.” عينه دمعت لأول مرة من سنين.
– “أقدر أشوفهم؟” دخل الأوضة بهدوء، شاف نورسين على السرير، شاحبة، بس في ملامحها سلام عجيب. على صدرها كانت في لفّة صغيرة وردية، ووشّها اللي قدّ عينها كان أصغر من كف إيده.

مشى بخطوات بطيئة لحد ما بقى جنب السرير.
نورسين بصّت له، ابتسامة تعب بس مليانة رضا:
– “تعال شوف بنتك يا محمود.” قرب، عينه ما قدرتش تمسك دموعها:
– “ياااه… دي… دي جميلة قوي.” مد إيده بحذر، لمس خدها الصغير بطرف صباعه.
– “يا رب… دي جزء من قلبي.” نورسين سألته بهدوء:
– “هتسميها إيه؟” سكت لحظة، وبعدين قال:
– “نسميها… نبض.” هي اتفاجئت بالاسم:
– “نبض؟”
– “أيوه… أول مرة حسّيت إني أبوها فعلاً لما سمعت نبض قلبها… وأول مرة حسّيت إني بحبك من قلبي بجد لما سمعت نبضك إنتِ وإنتِ بتتعبى عشانها.”

ابتسمت، والدمعة نزلت من عينها:
– “حلو… نبض محمود.” — عدّت الأيام الأولى ما بين خوف وقلق وتعب سهر الليالي، خصوصاً إن البنت اتولدت بدري شوية، فكانت محتاجة متابعة أكتر.
محمود بقى إنسان تاني.
بقى يسيب الشغل قبل معاده، يروح المستشفى، يقعد جنب الحضانة، يحط إيده على الزجاج ويتخيل إنها حاسّة بيه.
نورسين لما شافته كده، قلبها بدأ يهدأ.
مش مهم إنه اتأخر في البداية… المهم إنه لما وصل، وصل بجد.

في ليلة، وهما قاعدين في البيت بعد ما نبض خرجت من الحضانة وبقت معاهم، نورسين كانت شايلة البنت في حضـ,,ــــنها، تبص لها كأنها كنز، ومحمود جنبها، شايل وسادة ووراها عشان ترتاح.
قالت بهدوء:
– “فاكر يوم السون*ار؟”
– “ده اليوم اللي قلب حياتي.”
– “أول ما شفتك داخل وبتصرخ “مراتي بتولد” حسّيت إن الدنيا لسه فيها أمان.” ضحك بخجل:
– “كنت مرعوب… وكنت حاسس إني لو خسرتك أو خسرتها عمري ما هسامح نفسي.”

سكت شوية، وبعدين كمل:
– “عارفة يا نورسين، كل مرة كنت بتهرّب من كشف أو سون*ار أو زيارة، كنت بفتكر إني كده بحميكم عشان أشتغل أكتر، بس الحقيقة إني كنت بتهرّب من خوفي… خوفي من إني أكون أب مش قد المسؤولية.”
– “وأنا كنت حاسّة إنك مش بتحبنا كفاية.”
– “أنا بحبكم… بس كنت بحب بطريقتي الغلط.” بص لتحت، وبعدين رفع عينه فيها:
– “هتسامحيني؟”
– “سامحتك من أول ما مسكت إيدي وأنا على السرير.”

— نبض لما كبرت شوية، بقت تسمع القصة دي كل فترة.
محمود كان يقعدها بينه وبين نورسين، يحكيلها:
– “أول مرة شفت مامتك، كانت في قاعة محاضرات في الجامعة، وهي اللي سر*قت قلبي من أول نظرة. وأول مرة سمعت صوتك، كان من على جهاز سون*ار، وماما لوحدها في الأوضة. غلطت إني ما كنتش معاها، بس ربنا اداني فرصة أصلح الغلط ده.” نبض كانت تضحك وتقول:
– “يعني أنا جيت بدري عشان أصالحكم على بعض؟”
فيبصلها محمود بحب:
– “إنتي جيتي عشان تكمّلي الحكاية… مش بس تصالحيها.”

وفي يوم من الأيام، نبض وهي ماسكة دفتر صغير للرسم، قالت لمامتها:
– “ماما، ينفع أكتب قصتكم وأحطها في كتاب؟”
– “ليه يا حبيبتي؟”
– “عشان الناس تعرف إن بابا ممكن يغلط، وماما ممكن تزعل، بس لما بيحبوا بعض بجد… بيلاقوا بعض تاني حتى لو اتأخروا.” نورسين بصّت لمحمود، وابتسمت:
– “إحنا نفسنا اتأخرنا شوية… بس في الآخر، لقينا بعض.” —

ليالي كتير بعدها، لما نبض كانت تنام، كانوا يقعدوا جنب بعض في الصالة، نورسين تحط راسها على كتف محمود، وهو يلف إيده حواليها، ويقول:
– “أكتر صوت ما أنسهوش في حياتي… مش صوت بكاها وهي بتتولد، ولا ضحكتها وهي بتلعب… أكبر صوت محفور في قلبي هو صوت نبضها يوم السون*ار، وصوت قلبي أنا وأنا بقول “الحقوني… مراتي بتولد”.” تضحك نورسين:
– “كنت عامل فضيحة في العيادة.”
– “كنت بحارب الدنيا كلها عشان أوصل لكِ… ولو رجع بيا الزمن، كنت هاجري من أول مرة قلتيلي “تعالى معايا”.”

— الحب مش دايمًا بيبان في الهدايا ولا في الكلام الحلو بس.
أحيانًا بيبان في لحظة صحوة متأخرة، في رجل يجري في السلم وهو بيصرخ “مراتي بتولد”، في إيد ماسكة إيد، في دمعة ندم بتتحوّل لوعد. نورسين ومحمود غلطوا، زعلوا، بعدوا…
بس أول نبض سمعوه على شاشة السون*ار جمعهم تاني.
وأول صرخة لنبض كانت بداية حكاية جديدة…
حكاية بيت صغير، وأب وأم اتعلموا يحبوا بعض بالشكل الصح، وبنت اسمها نبض كانت دايمًا تذكير إن الحياة لسه فيها فرصة تبتدي من جديد، حتى لو اتأخرت شوية.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى