تسير على أطراف أصابعها بتروٍ شديد كمن يسير فوق حقل ألغام فجأة أضاءت الغرفة فتسمرت فى مكانها
تعض على شفتاها ثم استدارت ببطئ وجدته يجلس
على مقعده واضعًا ساقا على الأخرى فوق مكتبه
فتحمحمت:
-مدين خضتنى يا راجل، ايه جو الاكشن دا
رفع حاجبه مستنكرًا ولم يجيبها وإنما اكتفي بخفض
عيناه للكتاب الذى بيدها ثم أشار لها لتتقدم نحوه
نظرت إليه بسخط ثم قلبت عينيها بضجر قائلة:
-معلش انا هاحطه مكانه وهاجى ولا انت مش مآمن ليا
-لأ
اجابها برد قاطع وهو يحدجها بنظرات نا*رية فتمتمت بإرتباك هاتفة:
-مش كنت النهاردة وأنا نازلة من سلم الجامعة هاقع ورقبتى هتتكس\ر
التأمين خرج منه بتضرع حانق:
-أمين واستريح منك امييين
مطت شفتاها بحنق هاتفة:
-قلبك اسود اوى يامدين
وبعدين الحكاية كلها سندوتش فول وقع عليه ونضفته عادى
انتفض من مكانه يقف أمامها ثم جز على اسنانه مقاطعًا
إياها بنبرة استشعرت برودتها وخطر التهديد:
-عارفة لو رجلك عدت مكتبى تانى، لو فكرتى تلمسي
بس كُتبى هاعلقك عشان مفيش مرة واحدة بس كنت
قد المسئولية
ابتلعت باقى كلم\اتها مع ريقها وشرحت بغيظ:
-اسمع بس أنا كنت حاطة الكتب قدامى وجبت سندوتشات الفول من عند عم انور الرجل دا بيعمل فول أيه زبدة، المهم وأنا باكل ريقى نشف كأنى بلعه خمسة كيلو ملوحة على الصبح، اتناولت ازازة المية وأنا بشرب السندوتش وقع على الكتاب يعنى مش ذنبى
حاول أن يستعيد هدوءه مرة اخرى ثم قال بهيمنة:
– فول وزبدة وملوحة انتِ ايه انتِ ايه يا شيخة
اطلعى برا، اطلعى برا ومتقربيش من هنا تانى
-برا برا هو انت بتطردنى من الجنة يعنى
تصدق بالله احجز أول طيارة وأسافر
أجابها ببرود قادر فى القضاء على كل حرائق العالم:
-يااااه قولى تانى كدا وسمعينى دا يوم المنى مع السلامة يا ستى
تبادلت النظرات غير مصدقة ثم تحولت إلى حقل مفرقعات
-بقى كدا، يعنى لو كانت ست نادين كنت عملت كدا
دا أنت مش بعيد كنت لفيت الكتاب قراطيس وروحت
تجيبلها طعمية تفطر بيها، خد بالك دا شغل أعمال وعمل سفلى كمان .
تبدلت ملامحه والألم ينخر فؤاده بقوة بلا رحمة ثم
أجابها بوجع:
-ياريت يا سنا ياريتها كانت عملت
رفعت سنا نظرتها له تحدث عقلها بحديث ود لو يسمعه
ودت لو تقول له، أنه يستحق أفضل منها، ظل ينظر لها بصمت لبرهة ثم ابتسم بسخـ ــرية يعلم ما يدور
فى خاطرها فهمس لها:
-بحبها
هزت رأسها بخفة وهى تتألم لأجله ثم تابعت بمشاكسة:
-تبقى هى عمتك اللى عملتلك العمل
امى كانت على طول تقول يا بت ياسنا اوعى
تأكلى حاجة عند عمتك
-اطلعى برا
-ما تجمد كدا مالك هى طول ما شايفك بعينيك العسلى
دي هتفضل تتمرع علينا بنت إعتماد
طالعها بصدمة هاتفًا بحدة:
-بنت إعتماد؟!
-ايه مش اسمها إعتماد
طب إسمها ايه اللى معرفتش تربى بنتها
وسحلاك ياضنايا كدا وراها اسمها ايه قول عشان أدعى عليها فى كل صلاة هى وامها
جز على اسنانه وهو يشير برأسه نحو الباب قائلًا:
-تدعى على عمتك، اطلعى برا ياسنا هولع فيكِ
-برا برا اصلًا كل اختيارتك فى الكتب مش بتعجبنى وتصدق بالله بنت إعتماد حلال فيك
*****
مر أسبوع
وقف قبالة النافذة وعيناه شاردتين فى الظلام الذى
حل منذ بعض الوقت، أفكاره كلها تقوده إليها
فهى أستطاعت سر*قة قلبه بدون أى مجهود يذكر
اعتاد رؤيتها كل صباح حتى وأن لم تراه، أعتاد البسمة
رغم إنها تخفيها عنه ولكنه يراها بقلبه الولهان
هل سيتحمل فراقها ثانيةِ
بعد صراع مع نفسه حسم أمره، مرة اخيرة قبل سفره
لا تضر، فقد بلغ إشتياقه مبلغ البحرين والمحيطات
جلس امام عمته يرتشف قهوته وعيناه تتجول أنحاء
الشقة بلا هدف لحظات مرت عليه كأبدية، قاسية
القلب تختبأ خلف ذلك الباب، توقفت أفكاره بقلب
يخفق بالأمل عندما سمع صوت فتح الباب فقد أتت
تحكم بأعصابه يرتدى قناع
القوة، ارهف السمع مغمض العينين، كالسجـ . ـين
ينتظر حكم الإفراج، قلبه يهدر داخل صدره دون
رحمة هو يعترف أنه لا يقو الفراق وقد إشتاق إليها
تبددت أحلامه حين رفع بصره
وجد اختها ابتلع ريقًا ناشفًا ثم ابتسم بشحوب:
-عاملة ايه يا ناهد
سحبت مقعدًا هاتفه بابتسامة واسعة:
-عامل أيه يامدين؟!
كدا تشربوا القهوة من غيرى
جاهد ليرسم بسمة على شفتاه قائلًا:
-تعالى عمتى عاملة حاسبك
رمقتها والدتها ثم سألتها بحنق:
أُمال فين اختك؟!
اجابتها بإرتباك وهى ترمقه بطرف عينيها قائلة:
-نايمة يا ماما نايمة
وكأنها سحبت بساط السعادة من تحت قدميه دون ذرة إشفاق فتركته ج/ثة هامدة تتلظى بنيران الشوق
******
كل شئ يتحرك فى سرعة، الأيام، حتى ساعات اليوم
تهرول، هبطت قدميه مطار الكويت، شعور قاس يلاحقه برودة تتسلل إلى أوصاله، وضع يده يتفقد دقات قلبه ربما سبب البرودة أنه قد توقف عن تدفق الدماء، فالبعد عنها كالسم يسرى فى دماءه، يود أن يلقى بروحه فى الهاوية
حزين بشدة لعدم رؤيتها قبل سفره، يعش/قها ولا زال
للقدر رأى اخر
نصب عوده الضعيف ووقف بشموخ زائف منافى لكل الضعف الذى بداخله، كانت عيناه ذابلتين كأوراق الخريف الصفراء فارتدى نظارته السوداء
يراقب الطريق من نافذة السيارة بعقل شارد، شخوص مجهولين، حركات السيارات، فاق من شروده على صوت
احتكاك السيارة امام بيت عمه، وقف فى مكانه والحزن
ينهش قلبه لا يعرف ما دهاه للقرار بالسفر
تحكم بعواطفه قليلًا وولج للداخل وقبل يد زوجة
عمه، بينما عمه فتح ذراعيه كالطير الذى يستعد
لإنقاذ ولده الذى تعلم الطير للتو خوفًا عليه من
السقوط والحزن، دفـ,ـن مدين نفسه فى ح*ضن
عمه الذى ربت على ظهره بحب فابنته اخبرته
بما صار معه فهمس:
-حمد الله على السلامة يا بطل وحشتنا والله
-أنت اكتر يا عمى، والله وحشتونى
قال بهدوء قبل إحتضان عمه للمرة التى لا يعلم عددها
لم يرزق بأب مثله، لكنه أباه حقًا وليس عمه، أباه الروحى
-احضر الغدا عشان نقعد نأكل وتحكيلى عن سنا
وحشتنى عاملة ايه هناك
هز رأسه بيأس وهو يقول:
-والله يا مرات عمى مش سايبة حد فى حاله وطول نهار
زن ورغى اظن انتِ مرتاحة
نظرت بطرف عيناها لزوجها ثم مالت تهمس له بجوار اذنيه:
-الصراحة آه، مستفردة بعمك كلام فى سرك يعنى
تنفس بعمق قبل قوله الهادئ:
-ياسيدى
تحمحمت ثم أجابته هذه المرة بنبرة مرتفعة هامسة:
-كدا بردو يا مدين دا البيت مالوش حس من غيرها
دي وحشتنى أوى
-مين سنا أشك
ابتسمت بخفوت ثم أنصرفت فتبادلا مدين وعمه
النظرات فربت على على كتفه بقلب أب حنون
******
حركت فاتن عدستيها فوق وجه نادين الشاحب تتيح
لها فرصة فى إستيعاب الصدمة، بينما تحدثت بنبرة
مرهقة تقول:
-والله يا نادين مكملتش أنا فعلًا حسيته تطبيق
مش مظبوط بس الفضول خدنى وعلى طول
مسحته لما حسيت انه مش تمام
سحبت نفسًا طويلًا حتى امتلأت رئتيها بالهواء ثم اردفت
تقول:
-أنا مش مصدقة انتِ غبية دا باين اوى انه مش مظبوط
وأنا قولتلك لأ تروحى من ورايا يا فاتن انتى اتجننتى
-والله يا نادين الفضول من ساعة ما اتكلمت نهى وأنا عايزة
اشوف فقولت ليه لأ طب ما أعمل كدا واطمن وبعد كدا
اقولك بس لما حسيت انه ميطمنش جيت على طول
اقولك، متزعليش بقى وتلوى بوزك
احتقنت ملامح نادين حتى شعرت أن الشعيرات الدموية
كادت تنفجر ثم أجابتها بحنق:
-انتِ غبية ازاى تفكيرك يوصل لكدا ومش عاجبك زعلى
وأني ألوى بوزى، هو فينا واحدة بتعمل حاجة من غير
رأى التانية
لمحت نظرت تعاطف غشت عدستها فاسرعت فاتن تقول:
-ما يبقاش زعلك وحش كدا، وبعدين مين عيد ميلاده
الشهر الجاى مين اجمل بنوته، طب والله بقالى اربع
شهور بحوش عشان عيد ميلادك
التو ثغر نادين وهى تقول بابتسامة جانيبة:
-اربع شهور ليه؟ هتجيبلى عربية يا فاتن
-اتريقى بقى طب لو معايا كنت جبتلك ولا لأ اعترفى
انتِ عارفة انى مش بعز عليكى حاجة، بس هبهرك
هاجبلك هدية جامدة
صمتت قليلًا ثم اردفت تقول في ضيق:
-ذلينى بقى المهم دماغك دي متشتغلش لوحدها فاهمة
-تمام يا فندم علم وسينفذ، ويارب يا نادين تتجوزى مدين
حدقتها بنظرات نا*رية وهى تقول:
-انتِ قولتى أيه يا ز.فتة
رفعت كتفاها بلا مبالاة قائلة:
-مش عارفة، بس اهى طلعت دعوة وخلاص طب والله مدين غلبان وبيحبك وكفاية نظراته ليكِ، طب ياريت أنا ألقى حد بيحبنى كدا
-لا بنظراته لا ابتسامته الجو دا خلص من زمان
بعدين مدين دا معاه دبلوم أما أنا شهادة جامعية
يروح ياخد واحدة شبه بقى وفكك أنا مصدقت أنه
سافر
******
كان صوته بالنسبة له كترنيمة سلام جلس بجواره يربت
قدميه قائلًا:
-عامل يا مدين
-الحمدلله ياعمى
تمتم عمه قائلًا ببساطة:
-يارب دايمًا، ام مدين كلمتنى وقلقانة عليك بتقول
حالك مش عجبها، اسمع يا مدين فى حاجات بتمشى
الكلمة الأولى والاخيرة فيها للقدر يابنى، وأنا شايف
أن القدر قال كلمته بعد كل سنين ديه وكفايا ودور
على اللى تقدر مناجم الدهب اللى جواك، دور وهتلاقى
كتير بنات حلال هى بنت اختى وانت ابن اخويا ووجعك
دا يكس\رنى أنا قبل اى حد، اقعد يومين وارتاح هنا
وغير جو وانزل دور على اللى يقدرك دا انت طول
عمرك شقيان ومن حقك ترتاح
تنهد فى ح/رقة واشتياق وهو يطالع كفيه قائلًا:
-طول عمرى شقيان كل جـ,ـرح فى إيدى يشهد على وجع
ومرار جبت بيه الجنية عشان محتاجش لحد وكان كل
أملى مكافاة من الدنيا قلبها وبس
واضح أن الشقى بيقى مكتوب على كله يا عمى
ريح أم مدين لو كلمتك قولها هرجع اتجوز زى ما هى
عايزة
تزامنًا مع جملته ولجت زوجة عمه ثم وضعت الصينية
على الطاولة وهى تقول:
-يا زين ما قولت يا مدين وأنا عندى ليك عروسة قمر
هز مدين رأسه وفهم مغزى كلامها فتابعت:
-واهلها ناس فى منتهى الأدب والاخلاق هترتاح معاهم
اوى
ضحك مدين بخفوت وهو يهز رأسه ثم اكملت:

