أنهت جملتها و توجهت للخارج حين سمعت صوت مرزوق يُنادي عليها لتسقط غنى على الفراش باكية بعد أن شعرت بأن الجميع تخلى عنها، فحتى هو لم يُعير رسالتها اي إهتمام، فتهدلت أكتافها من فرط الحزن الذي جعلها ترفع رأسها إلى السماء قائلة بحر\قة
ـ يارب انت العالم بحالي. يارب نجيني من اللي انا فيه. في الخارج تبادل مرزوق السلام\ات مع ضيوفه و بدأ الحديث في أمور عدة ليعتدل الرجل الكبير المدعو رجب وهو يقول بوقار
ـ ندخل في الجد بقى يا حاج مرزوق..
ما أن أوشك مرزوق على الحديث حتى تفاجيء برنين جرس الباب ليستأذنهم قائلًا
ـ معلش يا حاج رجب هشوف مين على الباب بس و اجيلك. تقدم مرزوق ليفتح باب البيت و إذا به يتفاجيء بمجموعه من الرجال أمامه يتقدمهم جابر و رجلين لا يعرفهمَ و خلفهم أربعة آخرين لا يعرف منهم سوى ياسر و يزيد ليتحدث جابر بسماحة
ـ ايه يا حاج مرزوق مش هتقولنا اتفضلوا ولا ايه؟ تنحنح مرزوق قبل أن يتراجع إلى الخلف ليُفسِخ لهم الطريق للمرور وهو يقول بتلعثُم
ـ لا ازاي. اتفضلوا. اتفضل يا حاج جابر انت وضيوفك.
دلف جابر إلى الداخل و على يمينه خالد و على يساره رحيم و خلهم كُلًا من ياسر و كمال و عمر و يزيد ليتوجهوا الى غرفة الجلوس التي يجلس بها رجب و ابنه اللذان تفاجئا من كل هؤلاء الرجال الذين يظهر عليهم القوة و النفوذ فأخذا يتبادلان النظرات من مرزوق الذي كان في حيرة من أمره لا يعرف ما الذي أتى بهؤلاء الرجال إلى منزله
كان جابر أول المتحدثين بعد أن تبادل السلام\ات مع الضيفين ليقول بنبرة ودودة
ـ ايه يا حاج مرزوق شكلنا جينا في وقت مش مناسب ولا ايه؟
مرزوق بامتعاض
ـ لا طبعًا البيت بيتك يا معلم جابر. بس كنت اديني تليفون قبل ما تيجي. تجاهل جابر وقاحته و عاتبه بلُطف خو\فاً من تهور أحد الحاضرين
ـ و في حد بردو يستأذن قبل ما ييجي بيت اخوه! شعر مرزوق بالحرج من حديث جابر ليقول بتوتر
ـ لا طبعًا انا مقصدش انت تنورني في أي وقت.
جابر بود
ـ دا نورك. اعرفك بقى بنسايبي. خالد بيه الوتيدي رئيس مجلس إدارة مجموعة الوتيدي، و كمال بيه الوتيدي المدير التنفيذي لمجموعة الوتيدي، العمدة رحيم الوتيدي عمدة كفر الوتايدة و الدكتور عمر الوتيدي و الدكتور يزيد الوتيدي و طبعًا الريس ياسر الوتيدي غني عن التعريف. كان ياسر في وادٍ آخر يناظر هذا الرجل الضخم الذي تجرأ و أتى لخطبة حبيبته. ليعض على شفتيه بوعيد إلى أن جذبت انتباهه يد خالد التي وضعت على ساقه قبل أن يهسهس بجانب أذنه بخفوت
ـ ابقى ابلعه لمانخلص اللي جايين عشانه و نمشي.
ياسر بوعيد
ـ أنت تؤمر يا كبير. تدخل رجب قائلًا
ـ أنعم و اكرم. ما شاء الله والله عيلة تشرف بصحيح. طب مش تقولنا يا حاج مرزوق انك عازم قرايبك يحضروا القاعدة كنا جبنا قرايبنا.. احنا بردك عيلة مش قليلة، ولينا ناسنا اللي نتشرف بيها. أوشك مرزوق على الحديث ليقول جابر بمجاملة
ـ أنت قد الدنيا يا حاج رجب، و تشرف بلد طبعاً. دي زيارة عائلية كدا مكنتش مترتبة، و بعدين هو احنا جينا في وقت مش مناسب ولا ايه؟
رجب بلهفة
ـ لامش مناسب ايه؟ دا هو دا الوقت المناسب. احنا جايين في خير و الطيبين دايمًا بيتجمعوا في الخير. تهكم يزيد قائلًا بخفوت
ـ ما شاء الله الراجل دا بيقول حكم والله الطيبين كلهم متجمعين في الخير اللي هينزل يرف على دماغه هو و ابنه. جابر باستفهام
ـ طب حيث كدا بقى اشركونا معاكوا.. رجب باندفاع دون أن ينظر إلى مرزوق الذي يكاد ينفجر من شدة الغيظ
ـ احنا جايين نطلب ايد بنتنا غنى لأبننا سعيد.
يزيد بتهكم
ـ حزين مُستقبلًا. ارتسمت عبارات الأسف على وجه جابر و كذلك الجميع ليقول بجفاء
ـ لا اهو كدا مش خير خالص يا حاج رجب. رجب بصدمة
ـ ليه يا حاج جابر؟ تدخل مرزوق بغضب
ـ هو ايه اللي مش خير يا حاج جابر؟ جابر بمكر
ـ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا يخطُب أحدكم على خِطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذَن له)) ينفع تيجي تخطب خطيبة ابني! الريس ياسر!
برقت عين رجب و ولده و كذلك مرزوق الذي خيمت على ملامحه الصدمة ليقول الأول
ـ ايه الكلام دا يا حاج مرزوق؟ هي بنتك مخطوبة؟ مرزوق بذهول
ـ محصلش. هتف جابر موضحًا
ـ الحاج مرزوق لسه ميعرفش و انا جاي النهاردة أنا و الرجالة عشان نتكلم معاه يا حاج مرزوق. انا هفهمك. طبعاً انت عارف ان بنتي غنى الحضانة بتاعتها قصاد الشونة بتاعتي انا والريس ياسر، و هو شافها هناك و قالي والله البنت دي عجباني ايه رأيك تخطبهالي.
تدخل سعيد قائلاً بلهفة
ـ اه وانا بردو عرفتها من هناك كنت بودي ابن اخويا الحضانة و شوفتها و عجبتني. برقت عيني ياسر من الغضب ليُشدد ياسر من الضغط على قدمه حتى يردعه من فعل أي شيء طائش و امتدت يد يزيد تُمسِك بكاس العصير ليقدمه إلى سعيد قائلًا بلهفة
ـ خد بل ريقك يا سعيد. احتمال تكون دي آخر حاجه تشربها في حياتك. تناول سعيد منه العصير ليُتابع جابر قائلًا
ـ وبما أن غنى بنت اخويا و بعتبرها بنتي قولتله استنى انا هفاتحها الأول في الموضوع و بعدين ارد عليك، و فاتحتها وأبدت القبول و قالتلي اكلم الحاج مرزوق بس حصل عندنا حالة و\فاة و اتشغلت و مقدرتش اجي للحاج مرزوق. بس ادينا فيها.
مرزوق باندهاش
ـ لا يا شيخ. هتف سعيد بانفعال
ـ بس أنا اللي دخلت البيت الأول. أوشك جابر على الحديث ولكن سبقه خالد الذي قال بنبرة جافة
ـ أنت باين عليك راجل ابن بلد و بتفهم في الأصول و الراجل الطيب دا قالك أن البنت أبدت القبول. يبقى سواء دخلت البيت الأول ولا الاخير. خلصانه.
التفت خالد ناظرًا إلى رجب وهو يقول بخشونة
ـ كدا ولا ايه يا حاج رجب؟ رجب بحرج
ـ عداك العيب يا بيه، و ألف مبروك. بينا يا سعيد. لم يطول الأمر كثيراً إذ ودعهم مرزوق إلى باب البيت ثم تراجع إلى الداخل وهو يهتف بحدة
ـ كدا بردو يا حاج جابر! دي الأصول تصغرني قدام الناس بالشكل دا؟ جابر باستفهام
ـ صغرتك فين بقى يا حاج مرزوق ؟ دانا جاي و جايبلك معايا رجالة العيلة بحالها تقرا فاتحة بنتك، و مش اي عيلة دي أحسن عيلة في البلد.
تدخل رحيم الصامت منذ بداية الجلسة ليقول بصوت جهوري
ـ چرى اي يا عم مرزوج. انت بخيل ولا اي؟ فين الشربات يا راچل؟ و بعدين مالك متزرزر أكده ؟ هاتلي اي بيت في مصر كلها ميتمناش دخلة الوتايدة عليه ؟ روج كدا يا راچل احنا بجينا أهل. كانت هيبته طاغية للحد الذي جعل مرزوق يهدأ قليلًا ولكن تجاهل ياسر له يُثير حنقه، فقد كان يجلس براحة ويعبث بهاتفه و كأنه يمكلك زمام كل شيء لذا قال بجفاء
ـ أنا هادي و كل حاجه. بس الكلام اللي الحاج جابر حكاه دا مع احترامي للكل مش داخل دماغي.
تدخل كمال قائلًا بملل
ـ طيب ماهي سهلة أسأل بنتك. حين تفوه كمال بهذه الجملة اقترب ياسر يُتمتم بأذن خالد الذي اومأ برأسه قبل أن يقول بفظاظة
ـ و بالمرة نشوف عروستنا، و نعرف ذوق الريس يستاهل مجيتنا المشوار ولا ايه؟
رغمًا عن غضبه ولكنه كان يشعُر بالفخر كون هؤلاء الرجال أتوا لطلب ابنته و خاصةً حين رأى سيارتهم الفارهة أمام باب المنزل، ولكنه يجب أن يُعزز نفسه و ابنته أمامهم لذا نادى على زوجته لتجلب غنى إلى الخارج والتي كان تشاهد ما يحدُث في الخارج من خلف الستائر و هي تكاد أن تطير من الفرحة لذا توجهت إلى غنى التي تفاجئت من آسيا وهي تهزها بعُـ,ـنف قائلة بسعادة غامرة
ـ فتحي عنيكي و ركزي معايا في اللي هقوله دا. ياسر بره طرق عريس الغفلة و طلب ايدك من ابوكي.
غنى بصدمة
ـ ايه؟ آسيا بحدة وهي تهزها بعُـ,ـنف
ـ لا فوقي كدا بدل ما اديكي قلم افوقك. كل اللي عليكي دلوقتي ان الحاج جابر لما يسألك هو طلب ايدك لياسر من فترة هتقولي اه حصل وانك موافقة. ركزي بدل ما تودينا في داهيه.
لم تكد تستوعب حديثها حتى قامت آسيا بجذبها لتغشل وجهها بالماء البارد وهي تُردد الكلم\ات على مسامعها ثم وضعت بعض لمسات خفيفة من الزينة فوق وجهها لتُخفي ذبوله، فبدت جميلة للغاية وهي تتوجه مع والدتها إلى الخارج لتلتمع عينيه دون وعي حين رآها تُطل عليه، فدق قلبه بعُنـ,ـف و كأنه أبصر قطعة من الجنة التي يشتهيها بكُل جوارحه مهما انكر ذلك أو انصاع لكبريائه، فقلبه واقع لها و بقوة. ـ بسم الله ما شاء الله. والله وعرفت تنقي يا ريس. لا انا أكده أشهدلك.
هكذا تحدث رحيم بمرح ليُجيبه جابر قائلًا بحبور
ـ عندك حق يا عمدة. دي غنى أدب و جمال و أخلاق. ياسر عرف يختار بصحيح. تعالي يا غنى اقعدي. التفتت الى والدها الذي اومأ لها لتجلس إلى حيث أشار جابر الذي قال بود
ـ قوليلي يا غنى. مش انا طلبت ايدك لياسر من فترة وأنتِ وافقتي؟ كانت ترتعب من والدها و رغمًا عنها حانت منها نظرة خوف إليه لتندهش حين وجدته يُطمأنها قائلًا
ـ قولي يا غنى. متخافيش
اومأت برأسها بالموافقه وهي تقول بخفوت
ـ حصل.
التفت مرزوق إلى جابر قائلًا بعتب
ـ بس أنا كدا ليا حق عندك يا معلم جابر. عشان مفروض تكلمني قبل ما تكلم غنى. عشان متحرجش مع الناس واديهم مواعيد و أنا مش عارف ان بنتي مخطوبة. تدخل رحيم يحاول رفع الحرج عن جابر
ـ ما خلاص يا عم مرزوج متبجاش حمجي اومال. الراچل كان هيكلمك بس حوصول عنديه حالة و\فاه بدل ما تجوله الباچية في حياتك. كمال باندفاع
ـ الباقية في حياتك ايه؟ احنا جايين نخطب. مش جايين نعزي.
و هتف عمر بسخرية
ـ بقولكوا ايه انا هعزي يزيد وانتوا اتفقوا عالرفايع.
التفت إلى يزيد وهو يمد يده قائلًا
ـ الباقية في حياتك يا يزيد يا ابني.
صافحه يزيد وهو يقول
ـ حياتك الباقية يا عمر ياخويا. شرع خالد في الحديث في الموضوع الأساسي قائلًا بفظاظة
ـ طيب يا حاج مرزوق. العروسة و اهي موافقه، و الراجل ووضحلك اللي حصل. خلينا نتكلم في المفيد. طلباتك؟ تنحنح مرزوق وهو يقول بسعادة حاول إخفائها
ـ والله انا ماليش طلبات الحاج جابر عارف العُرف عندنا بيقول ايه وهو اللي يتكلم مش غنى بنته زي ما بيقول.
تفاجيء الجميع حين تحدث لأول مرة قائلًا بخشونة
ـ بعد اذنك يا حاج جابر مهر غنى مليون جنية، و الشبكة اللي هتشاور عليها هجيبهالها، و الجهاز كله عليا، انا عايزها بطولها.
لوهله شعرت بأنه خلق لها جناحين من فرط السعادة حين استمعت الى حديثه الذي جعل أعيُن جميع الحاضرين تلتمع من فرط الأنبهار، خاصةً والديها الذان لم يتوقعا حديثه أبدًا، وهنا تعاظم الذنب بصدر مرزوق كونه تسرع في الماضي و رفض هذا الشاب الذي بالرغم من كل شيء لازالت عينيه تلتمع بالحب تجاه ابنته لذا قال بنبرة يشوبها الندم
ـ كتر خيرك يا ابني. بس غنى بنتي ليها عليا حق، وأنا لازم اديهولها.
ياسر بجفاء
ـ وانا مش همنعك تعمل اي حاجه لبنتك. لكن بيتي انا اللي هفرشه و مراتي انا اللي هجبلها حاجتها، ودا شيء مفروغ منه، و متخافش قيمتها هتتعمل احسن من أي حد. اقترب يزيد من أن عمر قائلًا بخفوت
ـ أقوله يجهزني انا طيب؟ عمر بتقريع
ـ اسكت هتعرنا. هنبقى نلملك تبرعات.
تحدث جابر بنبرة ودودة
ـ خلاص يا حاج مرزوق، مش هنختلف سيب ياسر يعمل اللي هو عايزه. خلينا في المهم. ياسر له نص البيت اللي احنا فيه، والبيت زي ما انت عارف كبير، وهو بإذن الله هيتجوز معانا لحد ما يشطب الدور اللي فوق و ينقل هو و مراته قولت ايه؟ ناظر مرزوق غنى التي كانت ترتجف من فرط الصدم\ات التي كانت تتوالى عليها فلم تنتبه لاستفهام والدها حين قال
ـ والله دا قرارها هي اللي هتعيش قولتي ايه يا غنى؟
كانت تخفض رأسها و تحتضن كفوفها تحاول منع ارتجافهم ليأتيها صوته الخشن حين قال
ـ ابوكي بيسألك يا عروسة. ايه رأيك تعيشي في البيت الكبير ولا عايزة شقة برا؟ بصعوبة بالغة استطاعت اخراج صوتها وهي تناظره بعينين تتوسل إليه أن يكون ما يحدُث حقيقة وليس حلم ستستيقظ منه على كابو\س الواقع ليُعطيها نظرة مُطمأنة جعلتها تقول بخفوت
ـ موافقة على اللي تقوله عليه. جابر بسعادة
ـ يبقى على خيرة الله. نقرا الفاتحة.
شرع الجميع في قراءة الفاتحة و ما أن انتهوا حتى صدح صوت زغروتة قوية آتيه ج من الداخل استرعت انتباه الجميع ليهتف يزيد بتهكم
ـ ايه دا هو انتِ خلفتي حد غير غنى يا خالتي صابرين ولا ايه؟
صابرين بمرح
ـ خلفت ايه بس يا يزيد دا آسيا انت تايه عن زغروطتها. يا آسيا.
حين نطقت صابرين باسمها شعر وكأنها ألقت قنبلة موقوتة داخل صدره الذي انتفضت دقاته بعُـ,ـنف وهو يتخيلها تطلق هذه الزغرودة القوية أمامه، فرفضت جميع حواسه التخيل، فكل شيء بداخله يشعُر بأنه يتعامل مع إمرأة مزدوجة الشخصية، وكل شخصية تمتلكها تعجبه بطريقة لم يعهدها من قبل.
ـ اوبا آسيا هنا ! دي ولعت. انتبه الى حديث عمر إلى يزيد ليقول بغضب
ـ وانت مالك ومال آسيا؟ عمر بتهكم من فرط غضبه لم يلحظه
ـ يا أبني دي الكراش بتاعتي.
ـ أنت هتستهبل ياله. هكذا هتف بحدة قابلها عمر بالسخرية حين قال
ـ ايوا يا ابني. دانا حتى مكلم شروق تظبطلي معاها وهي وافقت.
لم يكُن الوقت مناسب للحديث ولكنه لن يُمرره على خير أبدًا، و كعادتها نظرة واحدة منها تقلب جميع موازينه، فقد لاحظ جانب طيفها الذي يظهر من خلف الستارة وهي ترتدي هذه العباءة السمراء التي تُثير جنونه. على الرغم من أنها تتنافى مع هيئتها الكلاسيكية في الشركة وملابسها الراقية التي ترتديها، ولكنه بكل مرة يراها بها يشعر و كأنه يريد اختطافها إلى ابعد مكان في هذه الأرض ليرتشف حُسنها حتى آخر قطرة.
كانت تنظر إليه في الخفاء ليُعطيها غمزة من عينيه اليُسرى فارتسمت ابتسامة خجلة على ملامحها قبل أن تغلق الستارة و كأنها أغلقت عليه نافذة من الجنة.
ـ بجولك ايه بينا احنا نسبج عايزين نتفج هنعمل ايه في الموضوع التاني ده؟ هكذا تحدث رحيم بجانب أذن خالد الذي اومأ برأسه قبل أن يتنحنح بخشونة وهو يقول
ـ طيب يا جماعه ألف مبروك و نستأذن احنا عشان ورانا معاد مهم. هكذا انتهت الجلسة ليُغادر الجميع و آخرهم ياسر الذي جذبته يد صابرين وهي تقول بامتنان
ـ شكرًا عشان جبرت بخاطر بنتي و مخدتهاش بذنبنا. لم يعرف كيف يُجيبها، فأومأ برأسه دون حديث لتلتفت إلى غنى قائلة
ـ وصلي عريسك لحد الباب يا غنى.
توجهت غنى بآليه خلفه إلى أن وصلت إلى باب المنزل فتوقف وكذلك هي لتناظره بعدم تصديق وهي تقول بخفوت
ـ ياسر. دق قلبه حتى آلمته ضلوعه وقد كان يتوق إلى غرسها بين ذراعيه ولكنه أحجم نفسه بصعوبة فلم يهضم عقله ما حدث بعد ليُجيبها باختصار
ـ نعم.. تلعثمت الحروف بين شفاهها وهي تقول
ـ احنا. اقصد اللي حصل من شويه. يعني . انت جيت عشان…
قاطعها حين قال بخشونة
ـ مينفعش تقوليلي محتجالك و مجيش حتى لو من اخر الدنيا.
تسارعت أنفاسها وهي تقول باستفهام يشوبه التوسل
ـ يعني أللي حصل من شويه دا كان بحق و حقيقي ولا؟؟ قاطعها حين قال بجفاء
ـ لا لعب عيال. هتفت بانفعال
ـ ياسر. تجاهل عذوبة ملامحها و روعة عينيها في هذه اللحظة و هتف بصرامة
ـ من هنا ورايح اياك المح طيفك برا باب البيت دا. غنى بصدمة
ـ ايه ؟ طب وهروح الحضانة ازاي؟ ياسر بحدة
ـ أهي الحضانة دي لو عتبتيها تاني عهدها فوق دماغك سامعه؟
غنى باعتراض
ـ ياسر..
ياسر بصرامة
ـ غنى اعمليلك قفلة. غنى باستسلام و نبرة أشبه بالبكاء
ـ عملت. طالت النظرات بينهم و كأن كل منهما يتشرب ملامح الآخر، فقد اشتاقها كثيرًا للحد الذي جعل يديه تُغافله و تمتد لتلامس وجنتيها الحمراء بحنو ارتج له قلبها، ولكنه كان قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في خطأ جسيم أمام مرأى و مسمع من الجميع لذا تراجع و غادر دون أن يتفوه بكلمة واحدة.
حسبي الله ونعم الوكيل ♥️ ★★★★ صباحًا توجهت أخيرًا إلى مقر عملها بعد أن تخلصت من عبأ كبير أثقل كاهلها و وضعت حدود صارمة للتعامل مع هذه المرأة
عودة لوقت سابق ـ الست هانم شرفت بعد ما حبست جوزها! ليكي عين تدخلي بيته وهو نايم عالبورش بسببك! يا بجاحتك.
هكذا هتفت مديحة بوقاحة ما أن رأت أشجان تتقدم و معها آسيا و الطفلان لتتقدم الأخيرة تنوي تلقينها درسًا قاسيًا ولكن أوقفتها يد أشجان التي تقدمت خطوتان من مديحة وهي تقول بنبرة صارمة
ـ صوتك ميعلاش عليا تاني لو مش عايزة تشوفي مني وش مش هيعجبك. مديحة بذهول
ـ نعم! أنتِ بتقوليلي أنا الكلام دا؟
أشجان بجمود
ـ أيوا بقولك أنتِ، ومن هنا ورايح تعملي حسابك اني مش هسكتلك. مديحة بسخرية
ـ ايه الهنا دا! القطة الخرسا طلع لها صوت و بقت تتكلم! أشجان بابتسامة مُستفزة و نبرة تحمل الوعيد بين طياتها
ـ و مش بس لسان! لا دا كمان طلعلها ضوافر و بقت تخربش، فخلي بالك بقى. مديحة بخسه
ـ قوليلي يا بنت رضا مسنودة على مين من البهوات اللي طبوا علينا زي القضا المستعجل، واللي موصيين على جوزك اللي ختمتيه على قفاه.
طالعتها أشجان باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت
ـ أنتِ أيه؟ قوليلي مصنوعة من اية ؟ مفيش انسان في الدنيا نجي من سوء ظنك! القرآن اللي بتقريه و الصلاة اللي بتصليها ميخلوكيش عندك ذرة دين ولا ضمير يمنعك من قذف المحصنات! اتقي الله عشان والله هتشوفي مني وش وحش اوي، و على فكرة انا اللي حبست ابنك و دا عشان مد أيده عليا و تقرير الطبيب الشرعي هو اللي رماه في السج\ن مكان أمثاله.
حديثها و نبرتها و نظراتها كلها أشياء جعلت مديحة تُدرك أن هذه المرأة الشر\سة لا تُشبه أبدًا هذه الفتاة البريئة التي جاءت إلى بيتهم ذات يوم، والآن حولها الظل\م والجبروت إلى أخرى نجحت في جعلها تشعُر بالخوف لذا تراجعت عن أسلوبها الفظ وقالت بعتب مُزيف
ـ كدا بردو يا أشجان! هانت العشرة للدرجادي؟ وماله. كل واحد بيعمل بأصله. كل ما فعلته أشجان هي ابتسامة ساخرة كانت تكفيها ثم التفتت تنظر إلى آسيا وهي تقول بجمود
ـ كلمي رؤوف يجيبلي حد يغيرلي كالون الشقة من النهارده محدش غريب هيحط رجله فيها.
آسيا بشم\اتة
ـ من عيني. بس كدا. غادرت المرأتين إلى الأعلى و معهم الأطفال لتقف مديحة تناظرهم بملامح مبهوتة من فرط الدهشة. عودة للوقت الحالي
أخيرًا استقرت في مقعدها خلف المكتب لتستمع إلى أوامر سلمى التي أخذت توزع المهام عليهم و قد كان هناك اجتماع بعد ربع ساعه وهي سترافقها لتدوين الملاحظات و الأكيد أنه سيكون على رأس طاولة الاجتماعات لذا أخذت نفسًا طويلًا وهي تحاول وضع حدود صارمة لقلبها الذي يدق دون أي وجه حق لذا رسمت الجمود فوق ملامحها وهي تقف بجانب سلمى تدون الملاحظات التي يُمليها عليهم، فقد كان حضوره طاغيًا بو\سامته الفذة و ملامحه الخشنة و أيضًا هذه الهيبة التي تُحيط به تجعلها تشعر برغبة مُلحة في الهرب منه، ولكنه مازالت صامدة تحاول تجاهل كل ذلك وتقوم بعملها و ما أن انتهى
وقت الاجتماع حتى زفرت بارتياح كونها ستهرب من بين براثن حضوره و أذا بها تسمع إلى صوته الآمر وهو ينادي باسمها
ـ أشجان. استني. تيبست أقدامها في الأرض قبل أن تلتفت إليه ليقول بجفاء
ـ اقعدي عشان نراجع الملاحظات اللي كتبتيها و عشان في حاجات هضيفها عليها. اغتاظت منه، فقد كان و كأنه يتآمر مع قلبها الغبي ضدها لذا توجهت إلى حيث أشار وقد احمر وجهها غضبًا، فخرجت منها زفرة حارة استرعت انتباهه ليقول بفظاظة
ـ هو ايه دا معلش!
التفتت إليه بعد أن تبدل غضبها منه بلمح البصر إلى خوف كبير تجلى في نبرتها حين قالت
ـ ايه ؟ خالد بجفاء
ـ هو أنتِ بتنفخي ولا انا بيتهيألي؟
أخذت تهز برأسها يمينًا و يسارًا وهي تقول بخفوت
ـ بيتهيألك.
مظهرها جعل الحنان يغزو قلبه تجاهها ليقول بهدوء
ـ طب يالا نبدأ.
أخذ يُملي عليها ما يُريده مع مراعاة كونها لازالت مُبتدأه و الحقيقة أنه لم يكُن يحتاج إلى هذا العمل هو فقط أراد رؤيتها دون أن يضطر لإيجاد مُبرر لذلك، و قد لاحظت نظراته المُنصبة عليها لذا زفرت مرة أخرى فقال بتسلية
ـ هو انا ليه حاسس اننا مشغلينك هنا غصب عنك! أشجان بحنق حاولت اخفاءه قدر الإمكان وهي تقول
ـ لا هو انا حاسه ان وجودي مالوش لازمة أصلًا!
خالد بفظاظة
ـ دا على أساس ان أنا راجل فاضي وجايبك نلعب سوى! اجفلتها نبرته الجافة لتتراجع عن حديثها قائلة بخفوت
ـ انا مقصدتش. شعر بتخبطها و ضيقها و مدى سوأ الوضع الذي يحول بينهم لذا قال باختصار
ـ اتفضلي على مكتبك. غادرت و لم تلتفت إلى الوراء لتتنفس الصعداء حين افلتت من بين براثنه لتفاجئها سلمى التي مدت إليها أحد الملفات وهي تقول
ـ الفايل دا عشانك يا أشجان. تناولته منها و همت بفتحه ليصدمها ما رأته.
لا إله إلا أنت أستغفرك ربي و اتوب اليك ♥️
★★★★ دلفت آسيا إلى مكتبها لتضع حقيبتها و تحضر دفترها حتى تشرع في عملها و إذا بها تستمع إلى جرس الهاتف الداخلي لمكتب كمال الذي أتاها صوته الغاضب وهو يأمرها
ـ حالًا تكوني عندي. تفاجئت آسيا من حديثه و هرولت إلى داخل غرفته لتتفاجيء حين جذبتها يديه القوية لتصدمها بالباب خلفها ليهوى على ثغرها بقبله كاسحة جمدتها بمكانها لثوان قبل أن تقوم بدفعه بكل ما تمتلك من قوة و رفع كفها تنوي صفعه فوق خده ولكن..
يتبع…
ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري

