التفتت تنوي الدلوف إلى الداخل وهي تتقصد تجاهل ذلك الذي كان يُناظرها على بعد عدة خطوات لتخطو إلى داخل المنزل دون أن تلقي عليه نظرة واحدة، فاغتاظ من وقاحتها و كز على أسنانه ليتوجه ياسر إليهم قبل أن يقول باختصار
_ هنقابلهم.
مرت عدة دقائق قبل أن تطل أسيا برأسها من البوابة وهي تقول باختصار
_ اتفضلوا.
صعدت إلى الأعلى و توقفت عند بابا شقتهم وهي تقول موجهه حديثها لياسر
_ ماما مستنياكوا فوق.
تقدم الرجال الأربعة وقد تعامل كمال بالمثل ولم يُكلف نفسه بإعطائها نظرة واحدة، ولصدمته لم تُبالي هي الأخرى به فهتف بوعيد من بين أسنانه
_ وحياة أمك لهكدرك بس الصبر.
تفاجئت جميلة حين وجدت رضا تصعد إلى الأعلى وهي تُنادي عليها
_ شروق. يا شروق.
_ نعم يا خالتي. شروق بتصلي.
اجابتها رضا بتقريع
_ تعالي ياللي جيبالنا الكلام. اتخانقتِ مع مين النهاردة ياللي تتشكي ؟
جميلة بذُعر
_ والله ما اتخانقت. دا واد متني كدا. كان بيتخانق مع شوية عيال صيع. انا مالي؟
لم تكُن تعرف بأن الرجال الأربعة يقفون أمام باب المنزل ليقول يزيد بصدمة
_ عيل متني!
هتف عمر بشماتة
_ أنا لو منك مدخلش.
يزيد بحنق
_ يدخل عليها قطر البعيدة انا اللي غلطان. بس تصدق. انا كدا اتأكدت انها من الوتايده وش. نفس قلة الأصل بتاعتهم.
صاح ياسر بصوت جهوري
_ السلام عليكم ورحمه الله وبركاته .
رضا بلهفة
_ و عليكم السلام ورحمه الله وبركاته. تعالى يا ياسر. اتفضل يا ابني.
ثم التفتت ناظرة إلى جميلة وهي تقول بتقريع
_ الواد جابلك ولي أمره. الله يسامحك.
دلف ياسر إلى الداخل و خلفه كمال يليه يزيد ثم عمر الذي ما أن خطى إلى داخل المنزل حتى خرجت شروق التي انكمشت ملامحها باندهاش حين شاهدته، فهتفت باستفهام
_ هو في ايه يا خالتي ؟
رضا بخفوت
_ اقعدي وأنتِ تفهمي، و أنتِ كمان يا جميلة تعالي اقعدي.
كان عمر يشعُر بأنه يعرف تلك الفتاة ولكنه لا يتذكر أين شاهدها ؟ لذا لم تتزحزح عينيه عنها قيد أُنمُلة، وهذا ما جعل الغضب يتصاعد إلى رأسها، ولكنها سرعان ما انتبهت إلى حديث ياسر الذي قال بخشونة
_ معلش يا أنسة شروق جينا من غير معاد بس حصل مشكلة صغيرة كدا مع جميلة اختك ويزيد اخويا، فكان لازم اعرف منها شويه حاجات.
شروق بنبرة هادئة تُلازمها دائمًا
_ ولا يهمك يا استاذ ياسر. اتفضل اسأل و جميلة هتجاوبك.
التفت ياسر إلى جميلة قائلًا بنبرة هادئة
_ ممكن تحكيلي ايه اللي حصل بالظبط النهاردة مع الشباب دول؟
قصت له جميلة ما حدث وسط انتباه الجميع، وما أن انتهت حتى قال ياسر باستفهام
_ شوفتيهم قبل كدا الشباب دول ؟
جميلة بخفوت
_ ايوا شوفتهم في مدرسة الصنايع اللي جنبنا، لكن والله عمري ما كلمتهم أبدًا.
امتدت يد شروق تحتوي يد شقيقتها وهي تقول بنبرة هادئة
_ محدش طلب منك تحلفي. أنتِ مش موضع شك ولا اتهام. أستاذ ياسر بيسألك عادي.
أُعجِب الجميع بهدوء تلك الفتاة و رزانتها و أولهم. هو لم يكُن اعجاب انما اندهاش فهو لم يُقابل بحياته فتاة في هدوئها، ولكن فجأة أضاء عقله حين تذكر بأن هذه الفتاة هي ذاتها التي قابلها يوم الحـ,ـادث ، و تلك الفتاة جميلة هي من كاد أن يدهسها، فخرجت الكلمات من فمه مدهوشة حين قال
_ أيوا افتكرتك. أنتِ البنت اللي اتخانقت معاكِ، يوم ما كنت جايلك يا ياسر.
هنا تدخل يزيد قائلًا بتهكُم
_ كمان اتخانقت معاك. دا أنتِ جميلة مشاكل بقى!
هتفت جميلة باندفاع وحنق
_ لا يا عسل اسمي جميلة صابر.
استغل ياسر الأمر وقال باستفهام
_ جميلة صابر ايه؟
أجابته جميلة باندفاع قبل أن توقفها يد شقيقتها
_ جميلة صابر عبد التواب الجيار.
توقفت الأنفُس و تبادل الرجال النظرات لثوان قبل أن يهتف عمر قائلًا
_ يا محاسن الصُدف. تصدقوا طلعنا قرايب!
هوى قلب شروق بين قدميها لتناظره بصدمة قابلها بالتهكُم حين قال
_ أنا الدكتور عمر عز الدين الوتي
دي. ابن خالكوا البشمهندش عز الدين الوتيدي.
★★★★★★★★★
مر أسبوعًا كان كارثيًا على الجميع الذين يُخيم الصمت على وجوههم، ولكن هُناك حرائق مُشتعِلة داخل الصدور، و لهذا حسم مرزوق أمره حين طلب من جابر الصياد أن ابنته تبغي الطلاق ليقرر عقد تلك الجلسة التي كان يحاول بشتى الطُّرُق الهرب منها، ولكن منذ متى وهو يهرُب؟
_ يا حاج عبد الحفيظ الحاج مرزوق جالي و قالي أنه عايز تخرجوا بالمعروف زي ما دخلتوا بالمعروف.
هكذا تحدث جابر الذي كان يجلس في تلك القاعة الكبيرة التي تضُم الكثير من الرجال من بينهم شيوخ و كبار رجال المنطقة ليفضون النزاعات بين المتخاصمين
_ معروف اي؟ هو الغدر في معروف يا معلم جابر؟
كان هذا الصوت الغليظ لعبد الحفيظ الصباغ الجالس في مقابلة مرزوق الذي لم يكُن راضيًا ولكن حالة ابنته لا تسمح بأي جدال آخر يكفيه أنها لم تعود إلى بيته الا بعد أن أخبرتها والدتها بأنه اتفق مع جابر حتى يُطلقها من زوجها
_ غدر ايه يا معلم عبد الحفيظ اللي بتتكلم عنه؟
هكذا استفهم جابر ليُجيبه عبد الحفيظ بغلظة
_ الست هانم بنته سرقتنا وهربت على بيت اهلها. اهتاج مرزوق من حديثه وهتف غاضبًا
_ الكلام دا مش حقيقي. انا بنتي جتلي بالجلابية اللي عليها. لا معاها أبيض ولا أسود.
صاح عبد الحفيظ بوقاحة
_ لا ياخويا خش في عبي خش. مش بعيد تكون أنت اللي مخططلها وهي نفذت.
تعاظم غضب مرزوق الذي هتف بصوت جهوري
_ عندك يا عبد الحفيظ. احنا مش حرامية، و لا محتاجين منكوا حاجه، واوعى تفكر تغلط فيا ولا في بنتي.
عبد الحفيظ باستفزاز
_ بنتك دي ناكرة للجميل. اللي تولع في شقتها وتهرب بالشكل دا تبقى بت ناقصة رباية ملقتش راجل يقولها عيب.
هب مرزوق واقفًا وهو يصيح بانفعال
_ انا بنتي متربية أحسن تربية.
صاح جابر بحدة
_ أهدى يا مرزوق، وانت يا عبد الحفيظ بلاش لتجريح وإهانة. بدل الحياة استحالت يبقى تخرجوا بالمعروف.
عبد الحفيظ بانفعال
_ معروف ايه اللي بتتكلم عنه ؟ بقولك ولعت في البيت و هربت. تقولي معروف!
_ بنتك عملت كدا ليه يا مرزوق؟
التفت جابر موجهًا حديثه إلى مرزوق الذي لم يكُن يعلم ما الذي عليه أن يفعله في تلك اللحظة، فهو حتى الآن لا يعلم لما أقدمت ابنته على فعل ذلك، ولكنه مجبر على الإجابة، وقد استغل عبد الحفيظ حيرته حين قال ساخرًا
_ طبعًا معندوش حاجه يقولها. مش بقولك مخططلها وهي بتنفذ!
صاح جابر بصرامة
_ ما تدي الراجل فرصة يتكلم يا عبد الحفيظ عمال تلاحق عليه في الكلام كدا ليه؟
صمت عبد الحفيظ مُكرهًا فالتفت جابر إلى مرزوق ليُلاحظ ملامحه التي تنم عن قلة الحيلة، فأضاف ليُنقذه من هذا الموقف
_ الكلام دا مش نافع. عاملين تناطحوا في بعض، ولا بتحلوا ولا بتربطوا. انا عايز صحاب الشأن هما اللي يتكلموا وكل واحد يقول مشكلته ايه؟
بهتت ملامح رأفت الذي كان صامتًا منذ بداية الجلسة تاركًا زمام الأمور إلى والده كما هي العادة والذي اهتز داخلياً ما أن سمع اقتراح جابر ولكنه تذكر حديث زوجته قبل أن يأتي إلى تلك الجلسة
_ طب ما تقولهم وايه يعني؟ معهاش دليل. كل كلامها فنكوش. ماهي بقت مدام خلاص. يعني لو فتحت بقها نقدر نخرسها العمر كله.
_ وانا موافق.
كان هذا صوت عبد الحفيظ الذي طالع مرزوق بتحدي ليقول الأخير بقلة حيلة
_ بس غنى تعبانه شويةووووو
جابر بحسم
_ القاعدة دي ملهاش لزوم من غير وجودها يا مرزوق أن كنتوا عايزين تخلصوا.
ازعن مرزوق لطلبه قائلًا
_ اللي تشوفه يا حاج جابر.
صاح جابر في أحد الخدم الذي هرول إلى الداخل فأمره قائلًا
_ شيع حد من الغفر لبيت عمك مرزوق يروح للست مراته يقولها الحاج جابر عايز غنى هنا شويه.
اطاعه الحارس و هرول إلى الخارج ليُنفذ أوامره.
لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين♥️
★★★★★★★★
تقف في شرفتها تستند على الإطار الخشبي برأس أثقلته الهموم و صدر احترق من فرط ألمه حتى حُطامها لم ينجو من هذه المآسي التي تُحيط بها من كل حدبً وصوب. حتى الذكرى الوحيدة التي كانت تُهديء من حالها مُحرم عليها أن تسترجعها بينها و بين نفسها طالما هي زوجة ذلك الوغد، والذي لا تعرف هل ستستطيع النجاة منه أو لا؟
_ غنى.
كان هذا صوت والدتها فالتفتت تُناظرها بلهفة علها تنطق بتلك الكلمة التي تتوقف عليها حياتها، ولكن الأخيرة قالت بحزن
_ المعلم جابر باعت عايزك.
جن جنون دقاتها و تسارعت أنفاسها و تلعثمت الحروف على شفاهها حين قالت
_ عايزيني ليه؟
صابرين بنبرة مُشجبة

