ناظرته شذرًا قبل أن تبتسم نصف ابتسامة صفراء ثم التفتت إلى ياسر الذي قال باستفهام
_ عم عزام فوق؟
تحمحمت قبل أن تقول
_ بابا. لا مش هنا. هو عند عم مرزوق.
دق قلبه حين استمع إلى جملتها لتُتابع بنبرة ذات مغزى
_ ماما بس اللي هنا فوق مع خالتو صابرين، و غنى.
جن جنون نبضاته حين استمع الى حديثها، ولكنها تابعت بنبرة مُشجبة
_ أصل غنى تعبانه شوية، و خالتو جابتها تريح أعصابها عندنا كام يوم.
لاحظ يزيد تلك النظرة في عيني شقيقه، و علم مدى تأثره ولكنه يُجاهد لأخفاء ذلك لذا قال بجمود
_ طب هنسبق انا والرجالة يا ياسر و انت ابقى حصلنا.
تلقى نظرات نا,رية من كُلًا من كمال وعمر وما أن ابتعدا عن المكان حتى هتف الأخير حانقًا
_ أنت يا أغبى اخواتك مين اللي قالك أننا عايزين نمشي؟ بتتصرف من دماغك ليه؟
تحدث كمال هو الآخر ساخطًا
_ الدكتور يزيد كبر و بقى بيقرر و يتصرف من دماغه واحنا تماثيل جنبه!
يزيد بلامُبالاه
_ دي حقيقة. انا لقيتكوا واقفين زي التماثيل قولت اتصرف.
عمر بانفعال
_ ياخي يخربيت برودك. جايب البرود دا كله منين ياله؟
يزيد بنفس لهجته التي ضاعفت من حنقهم
_ البرود دا على فكرة ميزة مش عيب.
كمال بتهكُم
_ لا يا شيخ!
يزيد بتأكيد
_ طبعًا. بيحمي من الذبحة و الجلطة و ضيق التنفس. البرود دا نعمة، هبة إلهية. الانسان البارد عمره طويل. إنما الإنسان العصبي دا شخص غبي مُتخيل ان انفعاله دا ممكن يغير الكون حواليه. في حين أنها كلها أقدار و العصبية وحــ,,ـــــرقة الدم دول أكتر حاجتين بيقصروا عمر الإنسان.
عمر باستهجان
_ ياخي والله ما حد هيقصر عمري غيرك. انا مُشفِق على اللي عايشين معاك.
طافت عيني عمر على كُلًا من ياسر وآسيا ليهتف باستهجان
_ مش عارف ليه حاسس انك طرقتنا عشان اخوك يخلاله الجو ؟
يزيد باختصار
_دي حقيقة.
خرجت الكلمات مندفعه من بين شفاه كمال
_ هو في بينه و بينها حاجة؟
يزيد بنفي
_ مش هي. بنت خالتها!
عمر بصدمة
_ ايه دا هو ياسر مرتبط؟
يزيد بملل
_ كان مرتبط. حاليا بيض,رب نفسه بالجزمه أنه ارتبط.
عمر باستفهام
_ يعني ايه مفهمتش؟ هو مرتبط ولا لا؟
تدخل كمال مُنهيًا ذلك الجدل قائلًا بنفاذ صبر
_ ملناش فيه يا عمر. دي حاجه تخص ياسر لوحده، وهو الوحيد اللي من حقه يحكي عنها.
أنهى جملته تزامنًا مع رنين هاتفه مُعلنًا عن اتصال قادم من خالد الذي قال بحدة وهو يتوجه إلى سيارته
_ فينكوا يا كمال؟
_ موضوع طويل يا خالد يخص نسمة أخت عز الدين بيقولوا أن ليها بنتين عايشين هنا. اما ارجع احكيلك التفاصيل
خالد بخشونة
_ لو وصلت لحاجة عرفني.
_ تمام. بس متقولش حاجه قدام رحيم لحد ما نتأكد إذا كانوا هما ولا لا.
خالد باختصار
_ متخافش. انا عند العربية، وهو لسه جوا.
كان خالد يتوجه إلى سيارته ممسكا هاتفه حين شاهد ذلك الظل لإمرأة هزيلة تحتضن كتفها و تسير محنية الظهر و من انتفاضة جسدها تبدو و كأنها تبكي، و لم تلحظ تلك الحفرة التي كادت أن تسقط بها لولا تلك اليد القوية التي سندتها لكي لا تقع ليصل إلى مسامعها نبرة خشنة اجفلتها
_ حاسبي.
رفعت أشجان وجهها لرؤية ذلك الغريب ولكن عينيها لم تبصران ملامحه جيدًا في هذه العتمة حولها و بداخل قلبها، ولكنه على عكسها أذهلته ملامحها الحزينة و عينيها اللتين حاوطهما الحزن حتى حفر أخاديد الأسى حول تجويفهم و تلك الدماء التي احتلت بياضهم، فمن يراها يُقسم بأن تلك المرأة افنت عمرها باكية
تركتها يداه قبل أن يقول بخشونة
_ أنتِ كويسة؟
لم تُجيبه بل ازادات ارتجافة جسدها ليُردف قائلًا
_ طب محتاجه مساعدة ؟
إجابه مُتألمة خرجت من بين شفتيها التي غزاها التشقُق و الجفاف
_ محتاجه معجزة.
قالت جملتها و التفتت تُغادر من أمامه و هي تبكي بقهر تنعي حياتها السابقة و أيامها القادمة و داخلها تتمنى لو تهبط من السماء صاعقة لتنتزع روحها و ينتهي كل هذا العذاب.
لازالت عينيه تُلاحقها حتى اختفت في أحد الأزقة. لتأمره نزعته الذكورية في تتبعها حتى يعرف إلى أين تذهب تلك البائسة؟ ليجدها تقف على أعتاب أحد الأبواب ترفع رأسها إلى السماء ثم تتوجه إلى داخل المنزل. ليعود أدراجه إلى سيارته بملامح مُتجهمة ولسان حاله يسأل ما الشيء الذي يُمكن أن يجعل المرأ مُحطم بهذه الطريقة؟
اللهم افتح علي فتوح عبادك العارفين، اللهم انقلني من حولي وقوتي وحفظي إلى حولك وقوتك وحفظك، اللهم اجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا♥️
★★★★★★★★
_ قوليلي يا أسيا أنتِ تعرفي البنت اللي اسمها جميله و اختها شروق اللي ساكنين فوق السطوح عندكوا؟
رفعت أحد حاجبيها قبل أن تقول بجفاء
_ معرفهمش اوي. بتسأل عنهم ليه؟
يعلم كم هي ذكية، ولن تُعطيه ما يُريد بسهولة لذا أجابها بامتعاض
_ يزيد اتخانق عشان واحدة منهم النهاردة.
أسيا بلهفة
_ ليه حصل ايه ؟
لهفتها أكدت له بأنها على علاقة وطيدة بهم لذا أجابها قائلاً
_ في شباب عاكسوها و يزيد شافهم و اتخانق معاهم عشانها، و كتبه و تليفونه ضاعوا في الخناقة، فكنت عايز اعرف منها أي معلومات عنهم.
تلكأت الكلمات على شفتيها قبل أن تقول بنبرة خافتة
_ البنتين دول أغلب من الغُلب يا ياسر، و ملهمش حد ولا ليهم في المشاكل، فلو هتعمل مع العيال دي حاجه يبقى برا عنهم.
ياسر بفظاظة
_ عقدة لسانك اتفكت و طلعتي تعرفيهم يعني!
أسيا بحنق
_ معرفهمش بس. دول في غلاوة أشجان وغنى.
تبدلت ملامحه و تلبدت عينيه بسُحب الألم الذي تجلى في نبرته حين قال بجفاء
_ هي عاملة ايه دلوقتي ؟
أسيا بحزن
_ تعبانه. كل شويه تسخن، و تقوم مخضوضة و بتصرخ. مرعوبة لسه من اللي حصل، و مش قادرة تتخطاه.
احتار كيف يشكو وجعه لأجلها، و أمنيته التي تُرهقة في أي يكُن هو من يُطمئنها، و حين أوشك على الحديث سمع صرخة آتيه من الأعلى فرفع رأسه إلى الشرفة بقلب مفطور و روح مزقها الألم، فضغط بقوة على أسنانه حتى كاد أن يطحنها في محاولة لتجاوز ذلك الحريق داخله لتباغته أسيا حين قالت
_ بتنادي عليك يا ياسر، وهي نايمة بتقعد تقول اسمك.
حاول استجماع جأشه قبل أن يقول بنبرة قاسية
_ تنادي على جوزها.
آسيا برجاء
_ غنى عايزة تطلق، و محدش هيقدر يساعدها غيرك.
كانت عينيه تغافله و ترتفع إلى الشرفة عله يلمحها، من كل قلبه يتمنى لو يراها الآن، ولكنه مُجبر على قمع كل ما هو يخصها بداخله لذا قال بجفاء
_ ما تطلب الطلاق.
آسيا بحزن
_ طلبت. بس هو مش راضي يطلقها.
هل تريد ان تُصبيه بجلطة قلبية ؟ حديثها يُشعل نيران غيرته الهوجاء، وهو الذي يُريد التخلص منها كي يحيا لذا هتف بجفاء
_ طب ما الراجل متمسك بيها. عايزة ايه تاني؟
اغتاظت من حديثه، وهو الذي يتبلور ألمه بوضوح في عينيه، و كأنها غبية لن تعلم أنه مازال يعشقها لذا هتفت بحدة
_ ياريت تركن الماضي على جنب ووو
قاطعها ياسر بقسوة و حسم
_ الماضي مات، وانا مبقتش فاكره. لو كانت عايزة تطلق تبعت ابوها للحاج جابر يقوله، و لو لقاها على حق هيقف جنبها.
لم يُعطيها الفرصة للحديث إنما تابع بجفاء
_ عايز اقعد مع شروق و اختها؟ قولي لوالدتك تسبقني على فوق عندهم.
ابتسامة مكر لونت ملامحها و عينيها، و كأنها تُريد اخباره بأنه حتمًا لن يتخلى عنها لذا قالت باختصار
_ ثواني.

