ذنوب ع طاولة الغفران ٢

انت في الصفحة 6 من 9 صفحات

_ انت بتقول ايه يا جدع انت؟ حسن مين اللي أسأله، ولا انت بتقول كدا عشان عارف أنه مسافر بيعمل عمره. وصل إلى النقطة التي أرادها لذا قال بتهكُم _ و يعني هي السعودية بعيدة؟ قام بإخراج هاتفه وسط نظرات ترقب من الجميع و صدمة من جانبها، فهي لم تتخيل أن يقف جنبها بتلك الطريقة حتى أنها ظنت بأنها في حلم إلى أن سمعت صوته وهو يدــ,,ـــــادث حسن قائلًا بمرح _ ازيك يا ابو علي. عامل ايه يا غالي ؟

كان يفتح مُكبر الصور ليصدح صوت حسن في أرجاء المكان _ بخير يا وتيدي. عامل ايه ياصاحبي؟ ياسر بخشونة _ الحمد لله في نعمة. الحاج عبد الحفيظ قاعد معايا وكان عايز يسألك على حاجة مهمة يا ابو علي. خد هو معاك اهو. رفع أنظاره الى عبد الحفيظ الذي كانت ملامحه باهته من فرط الصدمة ولا يعرف ماذا عليه أن يفعل وهو يرى ياسر الذي يرفع يده بالهاتف ليتحدث مع حسن، فابتلع حنقه قبل أن يقول بنبرة مُتحشرجة

_ ايوا يا حسن. _ ازيك يا عمي. عامل ايه ؟ عبد الحفيظ بجفاء _ كويس. قولي يا حسن. هو انت فعلا اللي جبت غنى على بيت أهلها يوم الحريق. لم يتردد حسن في الأجابه _ ايوا يا عمي انا اللي وصلتها بيت أهلها. لم يكُن ليسأله عن أي شيء بعدها فقال بجفاء _ طيب يا حسن. خلاص. ولكن ياسر لم يكُن ليُضيع تلك الفرصة من يده، فهتف بتهكُم _ ايه يا حاج عبد الحفيظ هو كدا بس اللي عايز تعرفه من حسن؟

عبد الحفيظ بتلعثُم _ وهو حسن يعرف ايه يعني ؟ ياسر بقسوة مُغلفة بالهدوء _ هنعرف منه حالًا. قولي يا حسن انت لما خدت بنت الناس من بين عمك و ودتها بيت أهلها كان معاها حاجة؟ شنطة مثلا! حسن بنفي _ لا خالص. اومأ ياسر برأسه و على شفتيه ابتسامة ساخرة قبل أن يقول بقوة _ متأكد ؟ افتكر كويس. حسن بتأكيد _ ياعم بقولك لا. دي حتى كانت بلبس البيت، و أمي هي اللي جابتلها عباية من بتوع البنات اخواتي تلبسها عشان تروح. هو في ايه يا ياسر ؟

ياسر بابتسامة ظفر _ ولا حاجه يا غالي، افتكرنا عند النبي و متنسناش من دعواتك، ولما ترجع بالسلامة نبقى نتقابل. اغلق ياسر الهاتف تزامنًا مع حديث جابر الذي قال بجفاء _ أية قولك في الكلام دا يا معلم عبد الحفيظ؟ لا يعرف ماذا عليه أن يقول في تلك اللحظة فكل شيء كان يسير على ما يُرام و فجأة انقلب كل شيء بسبب ذلك القناص الذي استغل فريسته ببراعة حين قال بتهكُم _ كفاية على الحاج عبد الحفيظ كدا، و خلينا نسمع من صاحب الشأن.

تسلطت جميع الأنظار على رأفت الذي انسحبت الدماء من أوردته، فهو لا يجرؤ على الحديث أمام كل هذا الجمع و يشعر بالتوتر الذي يجعله قد يُزيد الأمر سوء، و لكن كل شيء كان يسير ضده حين تدخل جابر قائلًا _ ايه يا رأفت رأيك في الكلام دا ؟ كانت عينيه تسير بغير هدى على وجوه الجميع ولا يعلم ما الذي عليه أن يقوله ليلتفت إلى والده الي ناظره بخوف لم يُساعده ليُعيد أنظاره الى جابر قائلًا بتلعثّم

_ عايزني اقول ايه؟ انا مش عارف. هي اللي مشيت انا معرفش مشيت ليه؟ ناظر الجميع بعضهم البعض باندهاش على عكسه تمامًا كانت نظراته قاتمة مغلولة يبغي سفـ.ك دماء ذلك الرجُل الذي كان ليشعُر تجاهه بالشفقة لولا أنه كان بديلًا له. الألم الدامي في صدره انطبع على نظراته على عكس ملامحه الجامدة و كأن ما يحدُث لا يعنيه. _ هو انت يا ابني مكنتش قاعد معانا من أول القاعدة؟ يعني ايه مشيت ليه؟ هكذا صاح جابر باندهاش ليبتلع رأفت ريقه قبل أن يقول بارتباك

_ لا طبعًا قاعد. بس بفهم منها يعني. تعاظم الحنق بداخل جابر الذي التفت إلى غنى قائلًا _ أنتِ صحيح ولعتي في شقتك يا غنى؟ شعرت بالارتباك والتوتر خاصةً عندما ارتفع رأسه يناظرها لأول مرة منذ أن دلف إلى القاعة، فتجمدت الحروف على شفتيها لثوان قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة _ ايوا. صُدِم جابر من تأكيدها للأمر ثم قال باندهاش _ طب و ليه عملتي كدا يا بنتي؟

هاهو الأمر يصُب مرة أخرى في بوتقة هلاكها. لا تعلم ما الذي عليها أن تقوله في هذه اللحظة؟ فالعواقب وخيمة، وهي لم تعُد تستطِع تحمُل كل هذا العذاب تتمنى لو كان هناك شخصًا واحدًا يُمكنها اللجوء إليه ولكن لا أحد. _ عملتي كدا بقصد ولا من غير؟ كنتِ بتطبخي فالحريقة قامت ولا أنتِ اللي ولعتي في الشقة؟ كانت نظراته و كلماته بمثابة إنقاذ لها في تلك اللحظة المروعة لتهتف بتلعثُم _ لا . لا انا . انا كنت بولع البخور الصبح زي كل يوم، و حطيته جنب الستارة في الأوضة، وخلت جوا طلعت لقيت الدنيا مولعة.

اعتدا عبد الحفيظ في جلسته وهو يصيح بانفعال _ أنتِ كدابة. تراجع جسدها للخلف بذُعر من فعلته، ولم تحسب حساب لغضب ذلك النمر الذي كشر عن أنيابه قائلًا بحدة _ كدا انت غلطت يا عبد الحفيظ. برقت عيني عبد الحفيظ من مناداته له دون لقب ليُتابع ياسر مُستغلًا الموقف لصالحه _ لما تغلط في بنت الناس ومرة و اتنين و عشرة قدام الناس و تتهمها بالباطل يبقى كدا غلط، و محدش في الرجالة اللي قاعدين دول هيقبل بالغلط دا يحصل .

هنا تدخل أحد الرجال مؤيدًا لحديث ياسر _ ما تهدى بقى يا حاج عبد الحفيظ. انت من وقت ما بدأت القاعدة وأنت عمال تتهم في بنت الناس وكل كلامك كذب. دا ميرضيش ربنا. هتف مرزوق الذي شعر بأن موقفه قد صار اقوى _ انا ساكتله بس عشان خاطركوا، و عايز حقي و حق بنتي منه. التفت جابر ناظرًا إلى رأفت الذي كان صمته مُثير للحنق و للشك _ يا رأفت انت سامع كلام والدك، و سمعت كلام مراتك، وعرفت هي مشيت ليه؟ عايز اسمع منك يا ابني زي ما سمعت منهم.

التفت الجميع إلى رأفت الذي لم يتذكر في تلك اللحظة سوى كلمات والدته قبل مجيئه إلى هذا المكان _ اوعاك توافق انك تطلقها . البت دي متضمنش لو فلتت من بين ايدينا مش بعيد تقر على كل حاجه. دي لازم ترجع هنا عشان اضمن أنها عمرها ما تفتح بقها أبدًا، و بعد كدا اغورها في ألف داهيه خرج صوته مندفعًا بطريقة اجفلت الجميع _ انا عايز مراتي. لا إراديًا وقعت عينيها على وجهه الذي تصدع جموده للحظة و تحول لطوفان من الغضب الذي تجلى بذلك العرق النابض بصدغه، فلم تُمهِل نفسها الوقت إذ قالت بنبرة مغلولة

_ و أنا مش عايزاك. انا عايزة أطلق. لم تفلح كلماتها في تهدئة غضبه ولا إخماد تلك النيران الشاعلة بصدره، فلجأ للصمت كي يُعطي نفسه القدر الكافي للتحكم في فوران جسده الذي شعر به جابر فتحدث بجمود قائلًا _ فكري يا غنى يا بنتي. غنى باندفاع و نبرة يشوبها التوسل _ فكرت، و خلاص النصيب اتقطع لحد كدا. اغتاظ منها رأفت و ود في تلك اللحظة أن يفعل بها ما كان يفعل من قبل ليتبلور الشر في نظراته ونبرته حين قال

_ مش بمزاجك، و مش هطلقك. صدح صوت رن في أرجاء الغرفة من فرط قوته و جهامة نبرته _ و فين رجولتك لما تقبل على نفسك تعيش مع واحدة مش عيزاك؟ انطفأ ثقاب الشجاعة اللحظية التي انتابته ليجد نفسه لا يعرف كيف يُجيبه ليهتف بانفعال _ و أنت مالك؟ كان الأمر يبدو هزليًا حد الألم الذي تضاعف بصدره وهو ينظر إلى هذا الجرذ الذي فضلته عليه. الأمر مُهين و موجع حد شعوره بأن رئتيه تعجز عن استقبال الهواء فسحب قدرًا كافيًا منه كي يهدأ ليستمع الى صوت عبد الحفيظ الذي أراد إنقاذ موقفهم بعد حماقة ابنه

_ واحنا موافقين نطلق. أعاد جابر أنظاره الى رأفت قائلًا باستفهام _ سمعت ابوك بيقول ايه يا رأفت؟ _ اه سمعت. جابر باستفهام _ و ايه رأيك فيه ؟ رأفت باندفاع _ ماشي خلاص هطلق. كان هذا الصبي يُحير الجميع الذي بدأ بعضهم يتفهم بأنه مجرد شبه رجل يعتمد على والديه غافلين عن حقيقته الكارثية، مما جعل جابر يتحدث قائلًا _ ربنا سبحانه و تعالى قال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } صدق الله العظيم، و بما أن النصيب خلاص اتقطع بينكوا يبقى تخرجوا بالمعروف زي ما قال ربنا.

عبد الحفيظ بغل _ و المعروف دي اللي هو ايه يا حاج جابر ؟ أجابه جابر قائلًا _ تدي بنت الناس حقوقها يا حاج عبد الحفيظ دا اللي ربنا قال عليه. عبد الحفيظ بانفعال _ كمان؟ مش كفاية هي اللي طالبة الطلاق و هتخرب بيت ابني! كمان عايزيني ادفع لها دم قلبي؟ جابر بحدة _ جرى ايه يا حاج عبد الحفيظ؟ مش دا شرع ربنا؟ عبد الحفيظ بحدة _شرع ربنا على راسنا، لكن هي يا حبيبي مجبتش حاجه تاخدها، و كمان احنا مكناش عايزين نطلق. إنما هي اللي مُصرة، و بدل مُصرة يبقى تتنازل.

تدخل مرزوق بانفعال _ يعني ايه الكلام دا؟ عبد الحفيظ بتجبر _ يعني بنتك تبري ابني من كل حاجه. دا لو عايزة تطلق! إلى هنا تخطاها الأمر و صار تجبر و ظُلم بين لم تقبل به، و خاصةً أن ذلك الرجل كان مُتبجح بطريقة أثارت حنقه ليقول بجفاء _ بقى يا حاج عبد الحفيظ ياللي لسه راجع من العمرة بتساوم الناس يا يتنازلوا عن حق بنتهم يا مش هتطلق! هي دي أخلاص المعلمين! لو مش خايف من ربنا طب حتى خاف على سمعتك!

عبد الحفيظ بغيظ _ اومال يبقى مـ,ـوت و خراب ديار! بقولكوا مجابتش حاجه؟ تدخل جابر قائلًا بحدة _ محدش جبرك تكتب قايمة لما هي مجابتش حاجه، و بعدين هو في ايه يا عبد الحفيظ عايز الناس تقول الحاج عبد الحفيظ الصباغ كل حق طليقة ابنه! تدخل أحد الرجال الجالسين و الذي كان تاجرًا كبيرًا و من ذوي النفوذ في منطقة مجاورة _ الكلام دا مينفعش يا عبد الحفيظ. ربنا مقالش كد، و بدل الحياة استحالت يبقى كل واحد ياخد الله له لكن اللي بتقوله دا ميرضيش عبد ولا رب.

للمرة الثانية يُحشر في الزاوية بسبب ذلك الرجل الذي قلب جميع الأحداث و وضعه في خانة الخاسر لينصاع رغمًا عنه إلى حديث المتواجدين قائلًا بجفاء _ و المطلوب؟ أجابه جابر قائلًا _ تاخد قيمتها كاملة يا اما فرش يا اما فلوس، و مؤخرها و دهبها. عبد الحفيظ بحنق _ انا مش هطلع قشايه من بيت ابني. شوفوا القايمة تتقدر بكام وأنا هدفع. هتف جابر قائلًا _ كدا يبقى متفقين. يا معلم مرزوق تجيب قايمة غنى بكرة و تجيلي، وانا هقدرها و اكلم الحاج عبد الحفيظ، و بإذن الله الجمعه الجاية نجيب الشيخ سمير يطلق، وانت تاخد حق بنتك متفقين.

أومأ الجميع و انتهت الجلسة، فكان هو أول من غادرها، لتقع نظراتها المُتألمة الحزينة على جسده الضخم من الخلف و الذي يُنافي هشاشة قلبه المكلوم الذي يبغي الصُراخ حتى تتقطع أحباله الصوتية، فهذه المرة فاق الأمر حدود احتماله، فمن يُصدِق أن تلك الجلسة التي كان يحكُم بها هي جلسة طلاق حبيبة التي طــ,,ـــــعنته في ظهره و فضلت آخر عليه!

اللهم إني أسألك فرجًا قريبًا، وصبرًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية والشكر عليها، وأسألك الغنى من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم إني أسألك بحق السائلين، وبأسمائك العظمى والحسنى أن تكفني شر ماأخاف وأحذر ♥️ ★★★★★★★★★ جالسة في غرفة أطفالها تحتضن جسدها بيدها وعينيها تنظر إلى البعيد تُفكِر هل من مخرج يُمكنه أن يجعلها تغادر هذا العالم المليء بالخُذلان و القهر؟ هل يُمكِن أن تعود بالزمن إلى الخلف لسبع سنوات و تعرب ذلك اليوم قبل أن توافق على الزواج من هذا الرجل؟

استفهامات مؤلمة لأن إجاباتها هي المستحيل بعينه، فهي خُلِقت لكي تُعاني فقط، تتألم فقط. دون حتى أن تملك القدرة على الاعتراض كل ما تستطيع فعله هو أن تحيا ألمها و وجعها بصمت، و قد كان هذا حالها بعد مرور أسبوعين على تلك الفاجعة التي حدثت لهم تتابع ما يحدُث بصمت وسط نظرات كارهة من تلك المرأة التي تنتظر اي بادرة منها حتى تُفرغ بها جميع شحنات قهرها على ابنها الضال _ أشجان.

انتفض جـ,ـسدها حين سمعت اسمه فأخذت تتلفت يمينًا و يسارًا وهي تتمنى لو كانت تحلُم لتجد طفليها يهرولان إلى الخارج، فتبعتهم وهي تتمنى لو يخيب ظنها ولا تجده أمامها، ولكنه لم يخِب فهاهي وجهًا لوجه معه يناظرها بعينين تُحاكي الشيطانين في نظراتهم ، و نبرته التي دــ,,ـــــادثها بها بعد أن فرغ من عناق أطفاله ليتوجه إليها قائلًا _ ايه يا أشجان مش هتسلمي عليا ولا ايه؟

كان الذُعر يكتنفها فلم تُعطي أي مؤشرات حيوية فقط تتمنى لو يختفي ثانيةً ولكنه كان يقترب و كأنه يقصد أن يؤكد وجوده أكثر ليقف أمامها مُباشرةً يدنو منها رويدًا رويدًا حتى احتضنها بقوة جعلت النفور يتفشى في سائر جسدها و خاصةً حين قال بجانب أذنها _ وحشتيني. توقف عقلها عن العمل لثوان قبل أن تتراجع عنه تناظره بصدمة فامتدت يديه تُعيدان خصلة هاربة خلف أذنها وهو يقول بنبرة خافتة ظاهرها الشكوى باطنها مُفزِع _ شوفتي اللى عملوا فيا؟ باعوني

ازداد اتساع بؤبؤ عينيها بصدمة من حديثه مما جعل الكلمات تخرُج من فمها مُتقطعة _ يعني اي؟ اشتدت نبرته كما اشتدت أصابعه المُحيطة بكتفها حين قال _ بلغوا عني، و سلموني. ولاد ال….. أشجان بعدم فهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى