بسم الله الرحمن الرحيم الإثم الثاني و العشرون بعنوان ” وجه في الذاكرة” الصُدف ما هي إلا أقدار مُرتبة تحدُث لغرض ما قد لا نعلمه إلا بعد أعوام عديدة. ولكن هُناك صُدف تُمحَى من الذاكرة بمُجرد انتهاء وقتها، وصُدف تستوطِن العقل وتسكُن الروح مهما مضت السنين، وكأن هُناك شيء ما في أعماق القلب ينتظِر تِكرارها. نورهان العشري
لا تعلم ما الذي حدث تحديدًا، فقد انتظرت أن تسقط يده فوق خدها، و إذا بجسدها يتراجع إلى الخلف فجأة، و ذلك الوحش الذي يخشاه الجميع و أولهم هي ينقض فوق أمين يُكيل له اللكم\ات و الضر\بات و صوته يصُم الأذان من فرط قسوته.
ـ بقى بتتشطر على واحدة ست يا حقير. طب انا اهو قدامك وريني نفسك.
لم يكن يرى في هذه اللحظة سوى هذه المسك\ينة وهي تتعرض للعـ,ـنف من قِبل هذا الجبان، فصار يضـ,ـربه بهمجية لا يعلم كيف تلبسته، قد كان يترجل من سيارته وعينيه معلقة على فتاة تلتمع النجوم في عينيها من فرط السعادة التي تحولت إلى كابو\س حين انقض عليها هذا الحقير، فلم يستطِع منع نفسه من تلقينه درسًا قاسيًا ستظل علام\اته محفوره فوق ملامحه لوقتًا طويل.
ـ خالد بيه سيبه هيمـ,ـوت في ايدك.
هكذا هتفت أشجان صارخة وهي تراه يكاد يُجهز على زوجها الذي على وشك الهلاك بين يديه من فرط وحشية ضر\باته، ولكن دفاعها عنه لم يكُن سوى وقود إضافي لغضب يُشبه الجحيم الذي لون نظراته حين التفت إليها ليتراجع جسدها إلى الخلف من فرط الذُعر و خاصةً حين صرخ بوحشية
ـ ارجعي مكانك خليني أربي الكلب دا.
أخذ رأسها يهتز يمينًا و يسارًا بالرفض الذي لم تستطِع شفتاها التعبير عنه ولكن عينيها أبت الصمت فذرفت من الخوف ما اغرق وجهها و حجابها، و لحسن الحظ تدخل حرس الشركة في الوقت المناسب لينتشلوا أمين من بين يدي خالد الذي كانت عروق رقبته بارزة و ملامحه متجهمة مما جعله يشبه الوحوش قولًا و فعلًا إلى أن جاءت نبرته العنيفة حين صرخ بهم
ـ الكلب دا ترموه بعيد عن الشركة، و إياك ألمحه قريب من هنا.
كان الأمر شاقًا عليها بشكل كبير، فلم تكُن تدري ماذا تفعل؟ و كعادتها يلجأ عقلها للهرب، فبدأت الرؤية بالتشوش أمامها لتضع يدها فوق رأسها تحارب هذه الدوامة التي تُغريها بالإستسلام، ولكنها لم تكُن تدري انها محط أنظاره بطريقة لم يعهدها سابقًا، وكذلك شعوره في هذه اللحظة فقد ارتعب قلبه حين رآها تقاوم حتى لا تسقط، فاقترب منها بلهفة قابلتها بالرفض الذي خرج واهنًا من بين شفاهها حين قالت بنبرة يشوبها التوسل
ـ أنا كويسة أرجوك متقربش.
خليط من المشاعر الغريبة اكتنفته في هذه اللحظة، فكيف لأنثى بهذا الضعف أن تقاوم حتى وهي في أحلك لحظاتها؟ ترفض اقترابه حتى لا يخدش مبادئها و احترامها لذاتها، ولهذا اجبر نفسه على التراجع حتى لا يزيد من تعبها الجلي فوق ملامحها ليهتف بصوت جهوري
ـ كرسي هنا بسرعة.
أطاعه الحرس فورًا ليقوم بوضع المقعد بجانبها وهو يقول بنبرة مُتهدجة من فرط القلق الذي تجلى بوضوح في نظراته إليها، ولكنها كانت في عالم آخر وهي تتخيل الجحيم الذي ستراه على يد زوجها حالما تعود إلى المنزل، فقد كُشِف سرها العظيم وهو ظالم لا يرحم، فبدت ملامحها كشخص ينظر الى الجحيم عبر نافذة لا يراها سواه فاجتاحه شعور عظيم بالأسى على لوعتها و ذُعرها بهذا الشكل و لأول مرة لا يدري ماذا عليه أن يفعل؟ إلى أن سمع صوت خلفه
ـ أشجان مالك في ايه؟
كانت سلمى طوق النجاة أمامه ليقول بنبرة خشنة
ـ سلمى. ممكن تطلعيها المكتب فوق وانا هكلم الدكتور يطلع يشوفها. اومأت سلمى بلهفة وهي تحاول إسناد أشجان التي تحركت بآليه وهي تفكر في هذه الكارثة التي وقعت فوق رأسها.
مرت دقائق عصيبة على الجميع إلى أن فحصها الطبيب الذي أخبره بأنها تعاني مع صدمة عصبية أدت إلى انخفاض كبير في ضغط دمها، ولأن اهتمامه كله كان منصب على المرأة التي احتلت الأريكة في وسط غرفة مكتبه وركنًا خاصًا بداخله فقد نسى أن شقيقتها تعمل معهم بنفس الشركة إلى أن تحدثت سلمى
ـ مستر خالد انا لازم اقول لآسيا دي بردو أختها ووو قاطعها خالد الذي انتبه لهذا الأمر حالًا
ـ خليكي أنتِ جنبها انا هكلمها تيجي.
اطاعته سلمى و توجهت تجلس بجانب أشجان التي كانت بين اليقظة والنوم فلم تنتبه إلى صوته القلق وهو يهاتف شقيقه
ـ كمال آسيا عندك؟ ـ أيوا ليه؟ خالد بنبرة آمرة
ـ ابعتهالي حالًا كمال بقلق
ـ حاضر بس ليه؟ في هذه اللحظة تنبه إلى قلقه الغير مُبرر الذي يحتل لهجته فحاول جعلها جامدة قدر الإمكان حين قال
ـ أختها تعبانه شويه. ابعتها على مكتبي. اغلق الهاتف مع خالد و توجه بنفسه إليها، و لم يطاوعه قلبه أن يُخيفها لذا ما أن أصبح أمامها كتر تحدث بنبرة هادئة
ـ أسيا ممكن تيجي معايا على مكتب خالد؟
لأول مرة بحياتها لا تجد في نفسها القدرة على مواجهة أحد لذا هربت بنظراتها وهي تقول باختصار
ـ تمام. توجهت خلفه إلى مكتب خالد الذي كان يقف أمام النافذة يحاول عدم النظر إلى أشجان الذي سكن جسدها إلا عينيها التي عبرت عن ألمها ولكن بصمت.
ما أن اقترب من مكتب أخيه حتى ألتفت إليها قائلًا بنبرة يتخللها الرفق
ـ بقولك ايه ؟ أشجان اختك تعبت شويه وجبنالها الدكتور . هي حاليًا كويسه يعني متقلقيش. بس قولت تطمني عليها
لأول مرة بحياته يكُن مراعيًا لمشاعر أحد بهذه الطريقة سوى عائلته، ولكنها لم تلحظ ذلك فقد ارتعبت حين سمعت حديثه عن شقيقتها فهتفت بلوعة وهي تدق تدفع الغرفة لرؤيتها
ـ أشجان. اختي فيها ايه؟ ما أن انفتح الباب حتى تفاجيء خالد بآسيا التي كان الذُعر يلون ملامحها و يتخلل نبرتها حين قالت وهي تهرول إليها
ـ أشجان. أنتِ كويسة؟ اهتز جسد أشجان حين ارتمت أسيا بجانب الأريكة التي تتسطح فوقها لتستفيق من سكونها وهي ترتمي بأحضان شقيقتها قائلة باستغاثة
ـ أسيا الحقيني. أمين عرف كل حاجه.
سيطرت الصدمة على ملامحها للحظات قبل أن يبددها استفهامها القلق
ـ عرف ازاي؟ أشجان بتحسر
ـ معرفش . بس اكيد مشي ورايا لحد الشركة و عرف اني بشتغل فيها. آسيا بغضب
ـ طب ما يعرف ايه المشكلة؟ أشجان بنواح
ـ المشكلة أنه بهدل الدنيا و كان هيضر\بني بس مستر خالد لحقه و ضر\به كان هيمـ,ـوته. آسيا باندفاع
ـ كان ! ايه دا يعني ممتش؟ أشجان بغضب
ـ لا طبعًا. آسيا بلهفة
ـ يا خسارة. أشجان بانفعال
ـ انتِ بتستهبلي يا آسيا. أنتِ متعرفيش هو ممكن يعمل ايه؟
خيم القلق على ملامح آسيا و نبرتها حين قالت بخفوت
ـ ربنا يستر و ميقولش لماما تبقى كارثة. انهمرت العبرات من مقلتي أشجان بغزارة لتجذبها آسيا إلى أحضانها تواسيها بصمت و قد كان مظهرها الآن جديدًا كليًا عليه، و أظهر جانب جديد من شخصيتها التي تخفي كم هائل من الحنان، فلم يُصدق نفسه حين رأى البلورات التي تجمعت في محجريها حزنًا على شقيقتها، و كعادتها تفاجئه حين انتزعت نفسها من بين أحضان شقيقتها وهي تقول بلهفة
ـ أنا هكلم رؤوف وهو اللي هيقدر يتصرف في الموضوع دا.
أشجان بلهفة
ـ هتكلميه تقوليله ايه؟ ـ هحكيله اللي حصل، وهو اكيد هيتصرف. نبرتها وهي تتحدث عن هذا الرؤوف لم تُعجبه طريقة نطقها لحروف اسمه أثارت زوبعه من الغضب داخل صدره و خاصةً حين هبت من مكانها وهي تقول بلهفة
ـ هجيب تليفوني و رجعالك. هتف خالد بفظاظة
ـ لو حافظه الرقم كلميه من تليفوني. آسيا باندفاع
ـ اه طبعًا حفظاه.
توسعت حدقتيه بغضب هائل ليضغط على أسنانه بقوة وهو يراها تأخذ الهاتف من شقيقه و هي تقوم بالاتصال بهذا الرجل الذي شبة متيقن من أنه لن يُحبه كيف وهي تحاد\ثه بهذه الطريقة
ـ رؤوف. تقدر تجيلي الشركة حالًا ؟ اه اه كويسة متقلقش عليا. الموضوع يخص أشجان. هو موضوع طويل و مينفعش في التليفون. لما تيجي هحكيلك. صمتت لثوان قبل أن تضيف بلهفة
ـ أنا كويسة يا رؤوف والله صدقني. يالا مستنياك.
انقشعت غيمة الثبات التي يحاول الاختباء خلفها حين استمع إلى جملتها الأخيرة، فاحتدت نظراته حتى بدت مخ\يفة و كأن حفنة من الشياطين تتراقص بعقله في هذه اللحظة و لسوء حظه كانت في عالم آخر إذ توجهت لتجلس بجانب شقيقتها الي خانتها عينيها و ناظرت هذا الوحش الذي أيقنت بعد ما حدث اليوم بأنه يستحق هذا اللقب و بجدارة و لسوء حظها أو حسنه كانت عينيه تتلقفان كل حركة تصدُر منها لتلتقي النظرات بلحظة خاطفة أصابت وترًا حساس داخله و داخلها فأسبلت جفنيها بارتباك ليختار الهرب في هذه اللحظة، فهناك قوة خارقة تتحكم به الآن تأمره باحتواء هذا الألم الدامي في عينيها
بين ضلوعه لذا توجه ناحية كمال الذي كان مظهره لا يوحي بالخير فخاطبه بجفاء
ـ تعالى تروح نشرب قهوة.

